تسهب و تصر مجموعة من النخب العربية , علي تحليل ظاهرة سياسية اسمها الديمقراطية , و تجتهد في إعطاءنا المحاضرات المطولة عن مفهومها و أسسها , و ترغد و تزبد في أبعادها و نتائجها , كأنها الحل لكل مشاكلنا نحن "العرب" – مع مراعاتنا علي ما يحتويه هذا النسب من شد و جذب- مع أن هذا المشروع الديمقراطي , ليس فقط غير صالح لهذه التجمعات القبلية , بل من السذاجة و من السخف التنظير لأي مفهوم عن الديمقراطية , في بيئة ثقافية ترفضها و تلفظها و تنفر منها نفرا ظاهرا صارخا, باعتبارها تتميز بنزعة دينية شديدة التعصب , تفتك و تبطش حتى بمن تقاسمهم عناوين كبيرة و كثيرة في شعائرها الدينية , و هذا راجع لعدة أسباب , منها التاريخية , و منها السياسية , و منها الاجتماعية , و لا تسمح لنا فسحة المقال لإيرادها , أو تفسيرها , أو تصحيحها.. ولكن النتيجة الحتمية , و معادلة التكافئ , هي أن دروس الديمقراطية بمحاسنها و مساوئها , تبقي مجرد اطلاع علي ثقافة الغرب , لا اقل و لا أكثر , و أي فكر مهما كانت قدسيته و عظمته , سيتحول حتما إلي تفاهات , إذا ما تم تطبيقه بعقول لا تستطيع استيعابه , و هؤلاء الديمقراطيين المرتدين , الذين طلقوا الواقعية بثلاث , و اقسموا علي رؤوس الأشهاد بأنهم من الزنادقة , ومن المغضوب عليهم , الذين خرجوا عن القطيع الكبير المبارك , و انفصلوا عن الصف الطويل العريض , الذي يعتبر خير خلف لخير سلف , و خير امة تواجدت علي هذه المعمورة , و التي تكفر علنا بالديمقراطية جملة و تفصيلا.. و لكن مازال ليومنا هذا أعداء الإلهة يحدثننا عن ذلك النظام سياسي , الذي يسمي بالديمقراطية , مع أن الهتنا الحكيمة الطيبة كانت واضحة و شاملة و ملمة بكل الأوضاع و المواقف, و وفرت علينا عناء البحث عن أي منظومة سياسية , أو اقتصادية , أو عسكرية , أو طبية , أو حتى فضائية ..و اصطفت لنا فئة من البشر أحبوها و أحبتهم , و فهموا مطالبها و فهمت مطالبهم , و هم من سيمثلونها في الأرض أحسن تمثيل , و سيقوم هؤلاء المفوضون اللاهيون , بتسيير أمورنا الدنيوية بكل فصولها و فروعها , حتى في آداب و أصول دخول الحمام , و من ثمة سيتحقق التحضر , و الانتصار , و الإنتاج , و الإبداع , و الاختراع , و التقدم , و الشغل , و السكن , و كل شيء , فما حاجتنا لديمقراطية الكافرة , و قانون الأغلبية الضال , و المساواة في المواطنة بين الأبرار و الفجار , و الأحزاب السياسية التي تشجع علي الفرقة , و المعارضة التي لا تنهي عن الفحشاء و المنكر , و بدع التظاهرات و المسيرات , و سيادة الشعب بدل سلطة الآلهة , و وصل بهم الكفر حتى إلي تحديد عهدة ولي الأمر , و من ثمة التداول الآثم السلمي علي السلطة , الذي والحمد لله لم يحصل أبدا في تاريخ العرب المشرف .. و هؤلاء الديمقراطيين الكفار حتما ستنتقم منهم الآلهة
و نحن بدورنا سنساعدها في ذلك الانتقام , و سنتتبعهم , و سنقمعهم , و سنقدم كل هؤلاء الديمقراطيين الأشرار قرابين لتلك الآلهة , كي نتقرب منها لعلها ترضي عنا , و بذلك سنعيش جميعا في سعادة و في سرور , ثم سنذهب جميعا إلي الجنة .. إذا استثنينا تونس من كل الدول العربية , التي شهدت , أو تشهد ما يسمي الربيع العربي , لا يمكن أن نري أي مشهد مشرق , يعطي بصيص أمل في الانتقال إلي عملية ديمقراطية , و تبقي تونس هي الوحيدة , و هي الاستثناء بسبب قوة التيار العلماني هناك , و هذا راجع أساسا إلي ممارسات النظام القديم , الذي أقصي الدين من كل المناهج التربوية , وقمع كل الحركات الإسلامية , بما فيها المعتدلة منها , وهكذا كانت فرصة للعلمانيين كي يأخذوا دفعة إضافية , و انطلاقة مسبقة لوضع الأسس الملائمة , لبناء مشروع ديمقراطي حقيقي , و التنازلات التي قدمها حزب النهضة , هي في الحقيقة مكتسبات التيار العلماني , الذي رسخ مفاهيم جديدة عن شكل الدولة , و عن القيم الإنسانية , التي تحولت إلي ثوابت لا مساومة عليها , ويصعب حتى نقاشها , بما أنها تحولت إلي نوع من البديهيات , وتتعارض تماما مع الحكم الكهنوتي الصحراوي , أما باقي الدول العربية , فلا يمكن أن نتنبأ لها
و في أحسن الأحوال , عدي استفتاءات نزيهة لا ترقي كي نسميها انتخابات.. فكفونا شركم أيها الديمقراطيون , و وفروا جهدكم , قبل صدور البيان السماوي المسمي بالفتوة , الذي سيطلب رقابكم و أموالكم , كفونا هبلكم , فهذا ليس تهديدا , و إنما نصيحة و رأفة بكم , و بما سيحصل لكم و لعوائلكم , كفونا تنظيركم و تحليلكم , لان هذا سيعتبر مشاكسة للآلهة الغضوبة شخصيا , السيئة الظن حتى بالمخلصين لها , و لا تميل كثيرا إلي روح النكتة و المداعبة , و لا أظن إذن أنها ستتسامح مع الضالين المضلين , و لا أظن أيضا أن ليدها أي نية في التنازل عن نظمها الدنيوية , خاصة السياسية منها , و قد اختارت لها جنودا أشداء , أعلنوا ولاءهم المطلق لها , و سينفذون أحكامها و أوامرها دون أي تردد , و بدون ادني رحمة أو شفقة , و خذوا العبرة من سلفكم الطالح , من أمثال المعتزلة , و ابن رشد , و ابن سيناء , و غيرهم من أولياء الشيطان , الذين تم تكفيرهم , و قتلهم , و سحلهم , و التنكيل بهم شر تنكيل , كي تعتبروا و تفهموا أن الآلهة صارمة جدا مع عبادها , و لا تمزح في هكذا أمور , و لن ترحمكم يوم ينفذ صبرها
