في أجواء حيوية تميزت بها فعاليات الدورة الأخيرة للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، فتحت المخرجة المغربية المتألقة مريم التوزاني قلبها للصحافيين، كاشفة عن تفاصيل عميقة ومؤثرة حول أحدث أعمالها السينمائية، الفيلم الشخصي لمريم التوزاني ‘زنقة مالقة’. هذا العمل، الذي وصفته بأنه الأكثر قربًا لذاتها وذكرياتها، يمثل عودة صادقة إلى الجذور وتعبيرًا فريدًا عن العلاقة الوثيقة بين الإنسان ومكانه. لم يكن مجرد فيلم آخر في مسيرتها، بل تجربة سينمائية غنية بالأبعاد الإنسانية، تركت أصداء قوية لدى كل من حضر الندوة الصحفية.
‘زنقة مالقة’: رحلة إلى أعماق الذات وتجذر الذاكرة
يتجاوز الفيلم الشخصي لمريم التوزاني ‘زنقة مالقة’ كونه مجرد سرد قصصي، ليصبح بمثابة مرآة تعكس تجربة حياتية عميقة للمخرجة نفسها. تحدثت التوزاني عن بدايات فكرتها لهذا المشروع، مؤكدة أنه يمثل بالنسبة لها ‘رحلة نحو الداخل’، وكأنه محاولة لاستعادة جزء من روحها تركته في دروب طنجة وأزقتها. ‘زنقة مالقة هو أكثر أفلامي شخصية، يعود إلى ما تركته طنجة في قلبي، إلى الوجوه التي عشت بينها، وإلى الأماكن التي كونتني’، هكذا عبرت بكلمات تلامس الوجدان، لتؤكد أن اختيارها لمدينة طنجة لم يكن محض صدفة، بل قرارًا واعيًا بالعودة إلى ذاكرتها الأولى، انغماسًا في حميمية التجربة الشخصية التي صقلت هويتها كإنسانة وفنانة.
ماريا: تجسيد القوة الخفية وعمق الانتماء
تدور أحداث الفيلم حول قصة ماريا، سيدة إسبانية في السبعينات من عمرها، قضت معظم حياتها في المغرب، وتواجه قرار بيع منزلها الذي اتخذته ابنتها. هذه الشخصية المحورية تجسد مفهومًا عميقًا للقوة الكامنة في الضعف، وللجرأة التي تتوارى خلف الصمت الظاهري. ترى التوزاني في ماريا رمزًا للقدرة على إعادة اكتشاف الذات في سن متقدمة، مفسرةً أن الشيخوخة ليست نهاية المطاف بل بداية لمرحلة جديدة من الوجود والحياة. إن تعلق ماريا الشديد بمدينة طنجة، الذي يصل إلى حد الرفض القاطع للمغادرة، يعكس حالة إنسانية أوسع نطاقًا، حيث يجد الكثيرون في أماكن معينة امتدادًا لذواتهم وهوياتهم، ويصبح الرحيل عنها بمثابة اقتلاع روحي. هذا البعد العاطفي العميق هو ما أرادت المخرجة أن يستشعره الجمهور، ليفهموا لماذا تتشبث ماريا بهذا البلد وتلك المدينة بكل هذه القوة.
طنجة: مدينة تتنفس الألوان والروائح والذكريات
لم تكن طنجة مجرد خلفية جغرافية لأحداث الفيلم، بل هي جزء لا يتجزأ من كيانه، ‘جسد حي’ يتنفس ويتفاعل مع الشخصيات. تحدثت مريم التوزاني بشغف عن البعد الحسي الطاغي الذي يميز فيلمها، حيث الألوان الزاهية، وروائح الخبز المتصاعدة، وحركة الأقمشة مع نسائم الهواء، كلها ليست مجرد عناصر ديكور، بل هي أجزاء حية من الذاكرة والتجربة. ‘الحياة مصنوعة من التفاصيل، وأفلامي كذلك’، بهذه الكلمات تلخص رؤيتها الفنية التي تركز على الجوانب الحسية للدلالة على عمق المعنى. لقد أرادت أن تصور المدينة كما تشعر بها، دون تزيين أو مبالغة، فقط بصدقها وهشاشتها وقوتها وجمالها المتفرد.
السينما المغربية: أصوات جديدة من المحلية إلى العالمية
وفي سياق الحديث عن مكانة فيلمها الجديد ضمن المشهد السينمائي المغربي، أشادت التوزاني بالدينامية والحيوية التي تشهدها السينما الوطنية حاليًا. عبرت عن فخرها بأن تكون جزءًا من جيل جديد من المخرجين الذين يسردون قصصهم من عمق أرضهم، ويصلون بتلك القصص إلى العالمية دون التخلي عن جذورهم الأصيلة. هذا الجيل، بحسب التوزاني، يمتلك القدرة على الانطلاق من المحلي ليلامس الإنساني الشامل، وهو ما يمنح السينما المغربية حضورًا متزايدًا وقوة تأثير أكبر على الساحة الدولية. وتعد هذه الموجة الجديدة برؤى فنية جريئة وعميقة، تعكس غنى وتنوع الثقافة المغربية.
الحب والفقد والهوية: رسائل ‘زنقة مالقة’ الخالدة
في الختام، شددت مريم التوزاني على أن ‘زنقة مالقة’ هو قبل كل شيء فيلم عن الحب بكل تجلياته؛ حب الذات، حب المكان، وحب الحياة. إنه دعوة مفتوحة للتصالح مع الجروح والتجارب، وللتأكيد على أن الإنسان قادر على أن يجد الرغبة من جديد، وأن يكتشف ذاته حتى في المراحل المتقدمة من العمر. لا يوجد عمر متأخر للحب أو للبدء من جديد، هذه هي الرسالة الجوهرية التي يحملها الفيلم. كما يطرح الفيلم تساؤلات حول الهوية والانتماء، ليس بتقديم تعريفات جاهزة، بل باستكشاف عمق الارتباط بالأماكن والناس والذكريات، مشيرًا إلى أن ماريا، رغم كونها إسبانية، فقد تجذرت روحها في طنجة، المدينة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من كيانها. الفيلم يتأمل أيضًا في مفاهيم الخسارة والفقد، وكيف يتشبث الإنسان بما يمنح الحياة معناها الحقيقي.
للمزيد من الأخبار والتغطيات السينمائية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. كما يمكنكم التعرف أكثر على تاريخ وفعاليات المهرجان الدولي للفيلم بمراكش.
التعليقات (0)
اترك تعليقك