في ظل عالم يموج بالتحديات والتحولات، تبرز الثقافة كقوة دافعة لا غنى عنها للتقدم الإنساني والاجتماعي. من هذا المنطلق، تؤكد منظمة التعاون الإسلامي (OIC) على أهمية الوعي الثقافي في تحقيق التنمية المستدامة، معتبرة إياه مفتاحاً رئيسياً لتعزيز التعاون، الازدهار، وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
صرح الأمين العام للمنظمة، حسين إبراهيم طه، بأن المبادرات الثقافية المتنوعة – من مهرجانات ومعارض وبرامج تعليمية – ليست مجرد فعاليات ترفيهية، بل هي محفزات قوية للتعاون المشترك، تنشيط السياحة، وإثراء الابتكار الثقافي. إنها تمثل فضاءات حيوية لتبادل المعرفة والخبرات، مما يسهم في إرساء أسس لمساحات ثقافية مشتركة تدعم التفاعل والتواصل الإيجابي، وتقرب المجتمعات من بعضها البعض، مشجعة إياها على الانخراط في ديناميكية بناءة قائمة على الفهم المشترك وروح التعاون البناء.
التنوع الثقافي: محرك أساسي للتنمية الشاملة
خلال افتتاح “مهرجان منظمة التعاون الإسلامي الثقافي: أسبوع باكو الإبداعي 2025” في العاصمة الأذربيجانية، أشار الأمين العام إلى أن التنوع الثقافي، الذي يتجلى بوضوح في ثراء اللغات والتقاليد والفنون والطقوس والمعتقدات، يعد محركاً محورياً للتنمية المستدامة. وأكد أن الرعاية السليمة لهذا التنوع تساهم بشكل مباشر في تعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم جهود القضاء على الفقر، وحفظ التراث الإنساني المشترك، وتمكين الحوار البناء بين مختلف الثقافات والحضارات.
كما أوضح أن الصناعات الإبداعية تتجاوز كونها عنصراً ثانوياً لتصبح مكوناً جوهرياً في مسار التنمية الشاملة. فهي لا تقتصر على توفير فرص العمل وتوليد الدخل والحفاظ على التراث الثقافي الغني فحسب، بل تقدم أيضاً حلولاً مبتكرة للتحديات المجتمعية المعقدة. من هذه التحديات تغير المناخ، تفشي الأمراض، انعدام الأمن الغذائي والمائي، وكذلك التصدعات الاجتماعية التي قد تهدد استقرار المجتمعات.
الثقافة كجسر للأمل والتفاهم في عالم متغير
في عالم اليوم الذي يكتنفه الكثير من عدم اليقين، يمثل هذا المهرجان رسالة أمل قوية، فهو يلبي حاجة الشباب الملحة للانتماء والهوية وتقدير الذات. كما يعمل على حماية تراثنا الثقافي الغني في عصر العولمة المتسارع، ويستجيب للدعوة الملحّة لصياغة سردية إيجابية عن العالم الإسلامي. من خلال تعزيز الحوار الخلاق، وتفكيك الصور النمطية، وترسيخ الثقة الثقافية، يغدو مثل هذا اللقاء جسراً حياً يصل ماضينا بحاضرنا، ويقودنا نحو مستقبل مشترك يسوده السلام، الأمن، والفهم المتبادل.
وشدد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي على أن الثقافة، بوصفها قوة ناعمة، تزود الإنسان بالآليات الضرورية لمواجهة التحديات العالمية المتواترة. ومن ثم يتقوى التضامن بين الشعوب، ليغدو النماء والازدهار واقعاً مشتركاً تتقاسمه الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. ولفت إلى أن المهرجانات من هذا النوع تبعث مشاعر الفخر والانتماء والهوية، مما يعزز الروابط بين الأفراد والمجتمعات.
أذربيجان: نموذج يحتذى به في دعم الصناعات الإبداعية
من جانبه، أكد وزير الثقافة في جمهورية أذربيجان، عادل كريملي، أن إطلاق هذا المهرجان في بلاده يشكل منصة حيوية للحوار والشراكة وتبادل الأفكار الجديدة بين مختلف الفاعلين في الصناعات الإبداعية في العالم الإسلامي. مع مشاركة أكثر من 300 ضيف دولي من أكثر من 40 دولة، إلى جانب ما يقرب من خمسة آلاف زائر متوقع، يعد هذا الحدث بتوسيع شبكات التعاون والإسهام في تنمية جميع الأطراف العاملة في هذا القطاع، فضلاً عن تقديم حلول متنوعة ومبتكرة.
وأشار كريملي إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية باتت تلعب دوراً محورياً في التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي وتعزيز الحياة الثقافية للدول المعاصرة. واستند إلى تقارير منظمات دولية مثل الأونكتاد واليونسكو التي تظهر أن ما لا يقل عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يأتي من هذه الصناعات. ولهذا، أصبحت تنمية القطاع الإبداعي جزءاً أساسياً من السياسة الثقافية الوطنية لأذربيجان.
وفي هذا السياق، أوضح المسؤول الحكومي أن استراتيجية التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي وقعها الرئيس إلهام علييف حددت دعم التطور الديناميكي للصناعات الثقافية والإبداعية وتعزيز إمكاناتها التصديرية كتوجّه جديد. وتتضمن الاستراتيجية أدوات دعم ملموسة تشمل برامج المنح الدراسية وتمويل المشاريع ومبادرات الإرشاد المهني. كما أعرب الوزير عن سعادته بالنتائج المحققة، حيث انتقل العديد من المستفيدين من موقع المتلقي للدعم الحكومي إلى مصاف مقدمي منتجات وخدمات مبتكرة على المستوى الدولي. وتطرق أيضاً إلى أعمال إعادة الإعمار والترميم المتواصلة على نطاق واسع في المدن والقرى المحررة، مؤكداً أن الدولة الأذربيجانية تخطو خطوات سريعة نحو استعادة الروح الثقافية الغنية في كاراباخ وولاية زنغزور الشرقية، وإحياء المشهد الثقافي والإبداعي، بما يضمن التنمية المستدامة للمنطقة بأسرها.
إجماع إقليمي على أهمية الثقافة في بناء جسور التواصل
من جانب آخر، أجمع الوزير الاتحادي للتراث الوطني والثقافة في باكستان أورنجزيب خان خيتشي، ووزيرة الثقافة والتنمية المعرفية في ليبيا مبروكة توغي عثمان، ووزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري إرسوي، على أن الثقافة تشكل ركيزة أساسية لتعزيز الحضور الحضاري للدول، وبناء جسور التواصل بين الشعوب، وترسيخ قيم التفاهم والسلام. وأكدوا أن الاستثمار في العمل الثقافي المشترك يسهم بشكل فعال في دعم الإبداع والابتكار.
يُنظم “مهرجان منظمة التعاون الإسلامي الثقافي: أسبوع باكو الإبداعي 2025” من قبل منظمة التعاون الإسلامي بالتعاون مع وزارة الثقافة في جمهورية أذربيجان، وتستمر فعالياته حتى 11 ديسمبر 2025. يجمع هذا الحدث مسؤولين من البلد المضيف، ووفوداً من الدول الأعضاء في المنظمة، وممثلين عن منظمات دولية وهيئات دبلوماسية وسفراء معتمدين، إضافة إلى محترفي الصناعات الإبداعية المعنية، في تظاهرة تعزز الوعي الثقافي والتنمية البشرية.
لمزيد من المقالات المتخصصة، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك