تُعدّ الصناعة التقليدية في المغرب ركيزة أساسية للهوية الثقافية والاقتصاد الوطني، ومن بين ألمع قطاعاتها يبرز قطاع الفضة ببريقه الخاص. فوفقاً لتصريحات السيد لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يحقق قطاع تطوير الصناعة التقليدية للفضة في المغرب رقم معاملات مذهلاً يصل إلى ملياري درهم سنوياً. هذا الرقم لا يعكس مجرد قيمة اقتصادية فحسب، بل يجسّد أيضاً عمق التراث الحرفي والجهود الحكومية المتواصلة لدعم آلاف الأسر المغربية التي تعتاش على هذه الحرفة العريقة. إن هذه الصناعة لا تقتصر على إنتاج المصوغات فحسب، بل تشمل أيضاً الأدوات والديكورات التي تعكس الذوق المغربي الأصيل، وتساهم بفعالية في التنمية المحلية.
أرقام النمو: شهادة على حيوية قطاع الفضة المغربي
الأرقام الصادرة عن القطاع تتحدث عن نفسها، فإلى جانب رقم المعاملات الداخلي الذي يلامس حاجز ملياري درهم، حققت الصادرات المغربية من المنتجات التقليدية، بما فيها الفضة، رقماً قياسياً لأول مرة ببلوغها 1.11 مليار درهم. هذا النمو يعزى إلى الاستراتيجيات الحكومية المتكاملة التي تستهدف الصناعة التقليدية ككل، وتولي اهتماماً خاصاً للحرف ذات القيمة المضافة العالية مثل الفضة. كما تشير الأرقام إلى تنظيم المغرب لأكثر من 550 يوم معرض خلال العام الجاري، محققاً رقم معاملات قدره 80 مليون درهم، وهو ما يؤكد الدينامية التجارية والترويجية التي يشهدها القطاع.
الدعم الحكومي لم يعد مقتصراً على الإعانات المباشرة، بل يشمل تحفيز الاستثمار الخاص في المقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في هذا المجال، بقيم تتراوح بين مليوني درهم و50 مليون درهم. هذا التحفيز يُعدّ محركاً أساسياً لدخول الشباب إلى القطاع وتطوير مشاريعهم الخاصة، مما يضمن استمرارية الحرفة وتجددها.
تطوير الصناعة التقليدية للفضة في المغرب: الابتكار، التمويل، والتسويق
لمواكبة التغيرات العالمية وتعزيز القدرة التنافسية، يركز المغرب على عدة محاور استراتيجية لدعم الحرفيين والمقاولات الصغرى والمتوسطة في قطاع الفضة. هذه المحاور تشمل:
- تعزيز الابتكار والبحث العلمي: إدراكاً لأهمية الابتكار في تنمية القطاع، قامت كتابة الدولة في الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بتوقيع أكثر من 10 شراكات مع مؤسسات جامعية ومدارس عليا. تهدف هذه الشراكات إلى تعزيز البحث العلمي في الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب والانفتاح على مصممين عالميين، وتجمع كافة الفاعلين لتطوير تصاميم ومنتجات جديدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
- برامج دعم التعاونيات: برنامج «مؤازرة» الموجه لتمويل المشاريع المبتكرة في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني شهد تطوراً كبيراً. فبعد أن كان يدعم ما بين 100 و120 تعاونية سنوياً، سيتم رفع هذا العدد إلى 600 تعاونية خلال السنتين الجارية والمقبلة، مما يعكس فعالية البرنامج ونجاحه في تمكين الحرفيين.
- دعم ولوج النساء للسوق: تم تحقيق تقدم ملحوظ في دعم التعاونيات النسائية، حيث يقترب المغرب من بلوغ 50% نسبة ولوج النساء إلى بنيات ومجمعات العرض والتسويق، مما يعزز دور المرأة في الاقتصاد الوطني ويفتح لها آفاقاً جديدة.
- مركز الابتكار والتصميم: من المنتظر افتتاح مركز للابتكار والتصميم تابع لكتابة الدولة في الصناعة التقليدية قريباً، بشراكة مع فاعلين مؤسساتيين آخرين. هذا المركز سيكون بمثابة حاضنة للأفكار الجديدة ومنصة لتبادل الخبرات وتطوير المهارات.
- تشجيع الشباب والتسويق الحديث: أكد المسؤول الحكومي أن الاشتغال بآليات التسويق والتصميم الحديثة ساهم في تحقيق تعاونيات الشباب لأرقام معاملات مهمة تجاوزت أحياناً 100 مليون درهم، مما يبرز أهمية تبني التكنولوجيا والأساليب العصرية في الترويج للمنتجات التقليدية.
توسيع آفاق التكوين المهني والتوقعات المستقبلية
في إطار سعيها لضمان استدامة قطاع الفضة وغيره من الحرف التقليدية، تسعى الحكومة إلى رفع عدد الحرف المدرجة في التدرج المهني من 60 إلى 120 حرفة. الهدف من هذه الخطوة هو دمج الصناعات والحرف المطلوبة في سوق الشغل، وتلبية احتياجاته المتغيرة. كما أن هذا التوجه يتماشى مع الرؤية المستقبلية للمغرب، خاصة في أفق استضافته المشتركة لكأس العالم 2030، حيث من المتوقع أن يشهد القطاع زخماً كبيراً وفرصاً للترويج على الصعيد العالمي.
إن النظرة التقليدية لقطاع الصناعة التقليدية قد تغيرت بفضل مساهمة الحكومة، التي انتصرت لهذا القطاع لكي يستفيد من نفس التحفيزات والاستثمارات الموجهة للمقاولات الحديثة. هذا التحول يعكس إيماناً راسخاً بقدرة الحرف المغربية على المنافسة والابتكار، مع الحفاظ على أصالتها وفرادتها. إن الاستثمارات في البنية التحتية، برامج الدعم، والشراكات الأكاديمية هي خطوات مدروسة نحو مستقبل مزدهر لـتطوير الصناعة التقليدية للفضة في المغرب، مما يعزز مكانة المملكة كمركز للإبداع الحرفي الأصيل.
التعليقات (0)
اترك تعليقك