لم يكن نهائي كأس إفريقيا للأمم لعام 2025، الذي احتضنه المغرب، مجرد لقاء رياضي عادي؛ بل تحول إلى محطة فارقة أثارت جملة من التساؤلات العميقة حول الإطار القانوني والتنظيمي لكرة القدم القارية. بعيداً عن مجرد نتيجة مباراة، فُتح الباب أمام التحليل القانوني لأحداث نهائي كأس إفريقيا، للكشف عن الخروقات المحتملة وتحديد المسؤوليات في مشهد كان يُفترض أن يجسد أسمى قيم الروح الرياضية والتنافس النزيه. وفي هذا السياق، قدم الدكتور خليل بوبحي، الأستاذ الزائر بمعهد مهن الرياضة بالقنيطرة، رؤى قانونية معمقة حول ما شهده النهائي بين المنتخبين المغربي والسنغالي، مرتكزًا على ثلاثة محاور أساسية: التحكيم، سلوك الطاقم التقني واللاعبين، وتصرفات الجماهير.
التحليل القانوني لأحداث نهائي كأس إفريقيا: جدل التحكيم ومسؤولية الحَكَم
شهدت الدقيقة 98 من عمر المباراة احتساب ركلة جزاء للمنتخب المغربي بعد العودة لتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، وهو قرار أكد العديد من الخبراء القانونيين صحته. هذه اللحظة كانت الشرارة التي فجرت سلسلة من الأحداث الخارجة عن السياق الرياضي. فبعد القرار، اقتحم مدرب المنتخب السنغالي، باب ثياو، أرض الملعب معترضًا، وحرض لاعبيه على مغادرة الميدان. استجاب لهذا التحريض عدد من اللاعبين، بينما بقي القائد ساديو ماني وعدد قليل من زملائه، في تصرف اعتبره المحللون محاولة مدروسة لتجنب الوقوع تحت طائلة الانسحاب الكامل، الذي تترتب عليه عقوبات أشد.
في صلب هذا الجدل يقع الحكم الرئيسي الكونغولي جون جاك ندالا. لقد ألقى التحليل القانوني باللوم الأكبر على حكم المباراة لعجزه عن فرض السيطرة والانضباط في لحظة حرجة. فوفقاً لـقوانين اللعبة، تحديداً القانون رقم 5 الذي يمنحه صلاحيات واسعة، كان من المفترض أن يتخذ الحكم إجراءات صارمة وفورية. يؤكد الدكتور بوبحي أنه كان يجب طرد المدرب السنغالي فورًا بعد اقتحامه الملعب وتحريضه اللاعبين، وفقًا للمادة 12 من قوانين اللعبة، بالإضافة إلى توجيه إنذارات للاعبين الذين أظهروا إشارات استفزازية، وهي إجراءات لم تُتخذ. علاوة على ذلك، أشارت الإعادات التلفزيونية إلى أن حارس مرمى السنغال، إدوارد ميندي، تجاوز خط المرمى أثناء تصديه لركلة الجزاء، ما كان يستدعي قانونياً إعادة تنفيذ الركلة بموجب القانون رقم 14، قبل أن ينهي الحكم المباراة بشكل مفاجئ ومثير للجدل دون تدخل من المساعدين أو غرفة الفار.
سلوك الطاقم التقني واللاعبين: مخالفات تأديبية لا تنظيمية
لم يقتصر الجدل على قرارات التحكيم، بل امتد ليشمل سلوك الطاقم التقني واللاعبين السنغاليين. اعتبر الدكتور خليل بوبحي أن أفعال مثل اقتحام أرضية الملعب، التحريض على الانسحاب، والإيحاءات التي تمس نزاهة التحكيم، كلها تشكل مخالفات صريحة لمدونة التأديب الخاصة بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف). هذه الأفعال قد تفتح الباب أمام تحقيقات تأديبية وأخلاقية عميقة، مع توقعات بفرض عقوبات انضباطية ومالية جسيمة على المدرب وبعض اللاعبين، وربما على الاتحاد السنغالي نفسه، استناداً إلى المادتين 146 و147 من مدونة التأديب.
وبخصوص الجدل حول إمكانية اعتبار السنغال منهزمة قانونياً بموجب المادة 82 من لائحة المسابقة، أوضح التحليل أن هذه المادة لا تنطبق على ما حدث. فشرط تطبيقها هو مغادرة الفريق بأكمله أرضية الملعب دون إذن الحكم، وهو ما لم يحدث فعلياً؛ نظراً لبقاء عميد الفريق وعدد من اللاعبين داخل الميدان. وقد استُحضر في هذا السياق مثال نهائي دوري أبطال إفريقيا عام 1999 بين الرجاء الرياضي والترجي التونسي، حيث غادر لاعبو الرجاء الملعب وبقي قائدهم، قبل استئناف اللعب وتتويج الفريق المغربي، مما يؤكد أن مثل هذه الحالات تُعالج تأديبياً لا تنظيمياً بالضرورة.
تصرفات الجماهير: أفعال تُجرّم قانوناً
على مستوى المدرجات، كانت هناك أحداث لا تقل خطورة. فقد شهدت المباراة محاولات لاقتحام أرضية الملعب وأعمال عنف وتخريب من قبل فئة من الجماهير السنغالية. أكد خليل بوبحي أن هذه الأفعال لا تُصنف فقط كمخالفات رياضية جسيمة، بل ترقى أيضاً إلى أفعال إجرامية يُعاقب عليها القانون الجنائي المغربي. وحمل الأستاذ الزائر الجامعة السنغالية جزءاً من المسؤولية في شحن الجماهير وتحويلها إلى وسيلة ضغط، داعياً إلى فرض عقوبات رادعة على الجمهور السنغالي، مثل المنع من حضور مباريات منتخبه والتنقل معه لعدد من المباريات، كإجراء ضروري للحفاظ على سلامة ونزاهة المنافسات.
نجاح تنظيمي ووصمة رياضية
يختتم الدكتور خليل بوبحي تحليله بالقول إن نسخة كأس إفريقيا 2025 في المغرب ستظل محطة استثنائية من حيث النجاح التنظيمي والإشعاع الدولي للمملكة. إلا أنها، في المقابل، ارتبطت بلحظة رياضية مشوهة قانونياً، حاولت فيها أطراف متعددة داخل وخارج الملعب إخراج النهائي عن مساره الطبيعي. هذا المشهد سيبقى مطروحاً للنقاش والتأمل في أروقة القانون الرياضي الإفريقي، داعياً إلى إعادة النظر في آليات تطبيق العدالة الرياضية وفرض الانضباط لضمان مستقبل أفضل لكرة القدم في القارة السمراء.
للمزيد من التحليلات والتقارير الرياضية المتعمقة، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك