تطل علينا الروائية جوسلين اللعبي، رفيقة درب الشاعر عبد اللطيف اللعبي، بشهادة حية ومفصلية تُضيء جانباً مهماً من تاريخ الثقافة والنضال السياسي بالمغرب. في لقاء خاص، كشفت اللعبي عن عمق تجربتها الشخصية والعامة، بدءاً من قلب مجلة ‘أنفاس’ الثقافية الرائدة، وصولاً إلى خوض غمار حركة ‘عائلات المعتقلين’ النسائية البارزة. إن دور جوسلين اللعبي في مجلة أنفاس وحركة المعتقلين لم يكن مجرد مشاركة، بل كان تجسيداً للصمود والإصرار في أحلك الظروف، مانحة إيانا نظرة فريدة على تشابك الأدب بالسياسة، والذاتي بالموضوعي.
‘أنفاس’: ليست مجرد مجلة، بل روح مجتمع عمل
تستذكر جوسلين اللعبي السنوات الأولى لمجلة ‘أنفاس’ (Souffles بالفرنسية)، مؤكدة أنها لم تكن مجرد إصدار دوري، بل كانت نواة لمجتمع عمل حقيقي. فمقر المجلة كان مسكناً عائلياً، وهاتفها هو هاتف المنزل، مما يعكس تماهي الحياة الشخصية مع المشروع الثقافي الطموح. تقول اللعبي: “لم تكن المجلة مؤسسة تقليدية، بل مبادرة أشخاص آمنوا بفكرة، على رأسهم عبد اللطيف اللعبي وأنا ومصطفى النيسابوري، ثم أبراهام السرفاتي وجمال بلخضر.” كان الجميع يسهم بطريقته، من جمع النصوص إلى الكتابة والتدقيق والرقن، وهي مهام تقاسمتها جوسلين مع عبد اللطيف، حتى في أوقات متأخرة من الليل، رغم مسؤولياتهما الأسرية تجاه طفليهما.
لقد شكلت ‘أنفاس’ بيئة خصبة لولادة حركة أدبية جديدة، حيث كانت جوسلين على وعي دائم بأنها تشهد على انبثاق أصوات شعرية وفكرية مغايرة. ومع انضمام المناضل أبراهام السرفاتي، عضو الحزب الشيوعي المغربي، اكتسبت المجلة بعداً سياسياً أكثر وضوحاً، وإن كان الوعي السياسي كامناً فيها منذ البداية. اهتمت ‘أنفاس’ العربية بالمشاكل المغربية العميقة، بينما حافظت نسختها الفرنسية على طابعها الأدبي الأعم، مع إبقاء المغرب في صميم اهتماماتها.
وتفنّد اللعبي فكرة غياب الشاعرات عن تجربة ‘أنفاس’، مشيرة إلى مشاركة كاتبات وناقدات مثل طوني ماريني. كما توضح أن السياق الاجتماعي للمغرب في الستينيات، بعد سنوات قليلة من الاستقلال، كان يحد من أعداد الخريجات المتعلمات، مما يفسر قلة حضورهن في المشهد الثقافي آنذاك، مع الإشارة إلى أن العديد من المتعلمات كن ما زلن في مراحل التعليم الأولى.
دور جوسلين اللعبي في مجلة أنفاس وحركة المعتقلين: صمود في وجه العسف
تحولت حياة جوسلين اللعبي بشكل جذري مع اعتقال زوجها عبد اللطيف اللعبي. ففي سن التاسعة والعشرين، وجدت نفسها أمام واقع جديد: أم لثلاثة أطفال، وزوجة لمعتقل سياسي، ومدرسة وطالبة في آن واحد. “لم يكن لي خيار سوى المواجهة والتأقلم،” تقول جوسلين، التي تكيفت مع هذه الظروف الصعبة بمرونة مذهلة، مستمرة في التدريس والدراسة، ومستندة إلى حبها للمسرح الذي علمها الارتجال والصمود.
شهدت هذه المرحلة ولادة حركة ‘عائلات المعتقلين’، وهي حركة نسائية رائدة نشأت من رحم المعاناة المشتركة. “في أبواب السجون، تدربت بعمق على الدارجة والمفاهيم السياسية بها،” تضيف اللعبي، واصفة كيف تحولت تلك اللقاءات المؤلمة إلى فضاء لتشكيل مجتمع تضامني من الزوجات والأمهات والأخوات، وحتى الجدات. لقد أصبح هذا التجمع صوت المعتقلين في زمن الصمت العام، يعمل على إيصال رسائلهم، ونشر البيانات، متحدياً بذلك الظلم والنسيان. لم تتردد هذه الحركة الشجاعة في اتخاذ قرارات جريئة، حتى وإن خالفت أحياناً رغبات المعتقلين أنفسهم، في سبيل إعلاء قضيتهم.
وتتذكر جوسلين اللعبي شخصيات محورية في هذه الحركة، مثل إيفلين السرفاتي، شقيقة أبراهام السرفاتي، التي قدمت دعماً لا يُقدّر بثمن قبل اعتقالها وتعذيبها الشديد، لتتوفى بعد أشهر قليلة. يجسد هذا التضحية الجسيمة التكلفة الباهظة للنضال في فترة عرفت بـ سنوات الرصاص.
رحلة تكوين الهوية: من ليون إلى المغرب وانفتاح فكري
تعود جوسلين اللعبي بذاكرتها إلى طفولتها، وكيف أثرت فيها تجربتها بالانتقال من ليون الفرنسية إلى مكناس المغربية. اكتشفت باكراً عنصرية والدها ضد “العرب” واليهود، بينما كان والداها وأخوها أكثر انفتاحاً وقبولاً لزواجها من “عربي”، وهو ما كان استثناءً في المجتمع الفرنسي بالمغرب آنذاك. تحولت مكناس البيضاء المدهشة في عيني الطفلة من مكان غريب إلى وطن، لدرجة أنها شعرت بالغربة في فرنسا عند زيارتها لاحقاً، واصفة نفسها بـ”العروبية” هناك.
في الرباط، حيث التقت عبد اللطيف اللعبي، شهدت جوسلين انفتاحاً فكرياً عظيماً. فبعد أن كرست سنتها الأولى لدراسة المسرح، قادها عبد اللطيف لاكتشاف أدب المغرب العربي المكتوب بالفرنسية، مثل أعمال إدريس الشرايبي ومحمد ديب وكاتب ياسين. كما شاركت في تنظيم مهرجان للأدب الإفريقي، تعرفت من خلاله على أعمال عمالقة مثل سيزير وسنغور وديوب. هذه التجارب شكلت وعيها الثقافي والسياسي، ومهدت لها الطريق لتكون شاهدة وفاعلة في آن واحد.
تبقى شهادة جوسلين اللعبي منارة تضيء فصولاً مهمة من تاريخ المغرب المعاصر، مؤكدة أن الثقافة ليست بمعزل عن قضايا المجتمع، وأن النضال من أجل الحرية والكرامة يتطلب شجاعة وصموداً لا يلين. يمكنكم متابعة المزيد من الأخبار والتحليلات عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك