"السَّمْطَة"٠

الجريدة نت24 أكتوبر 2014
"السَّمْطَة"٠

أكيد أن الظاهرة الغيوانية بالمغرب استأثرت باهتمام كبير كَلَوْنٍ غنائي، وامتدت شهرتها مغاربيا ودوليا، حيث غطت مساحة كبيرة من تربية الذوق وأعطت عمقا كفاحيا وجماليا لشعر الزجل التراثي والقوافي المنظومة بتامغربيت، والتي تحمل في طياتها أكثر من معنى، ورسائل تعبر عن مكنونات الحواري المغربية، أستعير في هذا السياق، عنوانا ومقطعا من إحدى أشهر أغاني ناس الغيوان التي تُرِكَتْ في رف الممنوعات ولمدة طويلة، بِفِعلِ فاَعِلٍ: “السَّمْطَة”.
“السَّمْطَة”
مـــا أنـــا وحـدانـــي مـــا أنـــا بــــرانـــي
أنــــــا مـــواطـــــــن والسـمـطـة عـلـيــــا
والـجـنـوي مـاضــي يــجـــرح يـــديــــــا
* * * *
الـعـمـارات عـالـيــة لـكـواخ مـردومـيـــن
لـمسـابـح دافــقـــــة لـفدادن مـحـروقـيـن
الدنيا غادية يا اهلي ب حال الـمسـكـيـــن
أرضـــي عــاطــيــة كنوزها مـفـتـوحـيـن
لـوحـوش الضاريـة انيابهـــا مَـمْـدُودِيــنْ
شـمـسـي ضـاويـــة لبيــوت مـغـموقـيــن
بـحـوري عـامــــرة وحـنـــا جـيـعـانـيـــن
الدنيا غادية يا اهلي ب حال الـمسـكـيـــن

يَبْرَعُ الحَكَواتي المغربي في إعطاء نفس الكلمات معان مختلفة حسب سياقها اللغوي ومناحي استعمالاتها، فإسقاطاً على إبداع السفر بين السياقات التي تستند إلى غنى ثقافتنا الشفهية، لِنُدخِل رمزية “السَّمْطَة” إلى الحقل الدلالي الحبَّالِ بمتغيرات الواقع٠
لن تَجِدَ عناء كبيرا في فهم دلالة معنى “السَّمْطَة” عند سكان الدواوير الحدودية بين المغرب والجزائر. وللتذكير، ربما الذكرى تنفع هواة الدم العائلي، فهناك أسر مفككة بين ضفتي الحدود الوهمية “السَّمْطَة”، فنفس أبناء العمومة يحملون أحيانا، جنسيتين مختلفتين، أوراق تبوثية مغربية وأخرى جزائرية داخل نفس العائلة، بل الأدهى والأمر أن لحظات أعراس نفس العائلة، تفرض تسللا اضطراريا واعتياديا يتجاوز منطق الحدود، عفوا “السَّمْطَة”، وكم من الدم سال عبثا في حزام الذُّل هذا. فكيف تسمح لعسكري نفسه أن يتصيد مواطنا أعزل، يمكن أن يكون ببساطة أحد أبناء عمومته. الحديث عن “السمطة يجرنا إلى جنود خفاء مغاربة، في الرتب العسكرية الأدنى، لا يظهرون كثيرا للعلن، ليس كباقي تجار المؤونة و لوبيات أساطيل البحر وصيد سمك “السمطة” وأخواتها، يسهرون على راحتنا وأمن الوطن، ويحلو للبعض بلادة، أن يلوك سمعتهم تحت مسميات “الدوزيام حلوف”، والحلوف الحقيقي هو من لا يعي حجم تضحيات جنودنا من أجل أن يكون للسمطة معنى وطني لا مسمى استبدادي.

لن تفوتنا الاستعارة ونحن على أبواب احتقان اجتماعي يهدد بانفراط عقد كل التسويات الهشة، باستعراض الشعار المركزي للأدوات التنفيذية للحكم المخزني والموجه بالخصوص للأسر المغربية ذات الدخل المحدود: “زيرو السمطة”، فالملاذ السهل لعديمي الجرأة السياسية لن يكون إلا جيوب الأجراء، بل يحاولون أن تمتد أيديهم الآثمة حتى لعجائز هذا الوطن، لأن وطنهم المفترض يغفر  للمفسدين جرائمهم، وأغنية السمطة أعلاه تختصر مواقع الخلل ببساطة وجمالية النظم المعبر عن نبض الأزقة، فحب الأوطان يقتضي الإحساس بالانتماء الجمعي حين تقتسم الموارد أيضا، وإلا فقواعد اللعبة يمكن أن تفرض بشكل آخر، فهل يتم البحث عن الضرب تحت “السمطة”، عفوا تحت الحزام، في تلك الحالة فالحلبة لن تحتمل إلا حاملي الحزام الأسود “سمطة كحلة”، والمجتمع مقبل على هزات حقيقية.

تفكيكا لحوادث العنف التي سجلت مؤخرا في بعض الأوساط التعليمية وكذا حتى في الملاعب الرياضية، حيث أن الفيصل لحل أبسط الإشكالات هو “جبد السمطة”، أعود بمخزون ذاكرتكم إلى التظاهرات الجرارة لحركة 20 فبراير والتي اخترقت كل الأزقة الشعبية، حتى المسجلة خطرا عند الأجهزة الأمنية، حيث لم يسجل يوما أن انفلاتا عنفيا أو اعتدائيا تم من المتظاهرين السلميين على أي كان، إن الدخول بالمجتمع إلى المدنية كطريقة للعيش تقتضي أولا تغيير منظومة قيم الدولة التي تعتمد بالأساس على العنف لحل كل الإشكالات، ودون شك بإعادة النظر في المناهج الدراسية والمواد التعليمية والإعلامية، فالتربية على قيم حركة 20 فبراير سيرورة مستمرة، وصولا حتى عمق الأسر المغربية.

إن جزء كبيرا من المجتمع الاستهلاكي، يوجه قسما من ميزانيته البئيسة لاقتناء تقليعات الألبسة الحديثة، ولو من باب الاستنساخ الرديء الذي يتلاءم مع قلة ذات اليد، لكن الأغلبية لا تعي الأصل السببي لبعض تقليعات “الموضة”، أورد في هذا الشأن السراويل المتدلية بدون سمطة “طاي باس”، إن أصل هذه التقليعة يعود لشكل احتجاجي للسود بالأحياء المهمشة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث يرفضون استعمال الأحزمة “السمطة” في سراويل الجينز احتجاجا على شطط رجال الشرطة البيض والطريقة المستفزة لتفتيشهم في حواري هارليم وغيرها، فرفض لبس السمطة وترك السراويل متدلية نمط احتجاج راق وطريقة عيش مؤسسة على طريقة تفكير ما، فهل نستوعب عمق علة السمطة، خارج نقاش الأذواق بالطبع.

وعلى ذكر السود، فاللغط الذي استشرى على صفحات المواقع والجرائد بالاتهامات المتبادلة حول العنصرية لم يمس عمق الإشكال، نطرح سؤالا في هذا السياق للتدقيق: هل يمكن أن يتحرك أدنى شعور بالعنصرية أمام أحد السود من  مشاهير هوليود أو الجاز أو عدائي 100 متر الأمريكيين؟ إن المشكل يتجاوز اللون، فهو طبقي بالأساس، يجب علينا أن نرتكز على تجاوز قيم الانغلاق على الذات، فالمغرب مؤهل بحكم موقعه الجغرافي بين أوربا وإفريقيا وانفتاحه البحري، زيادة على تركيبته الفسيفسائية أن يكون منارة للانفتاح الحضاري على الكل، لهذا يجب وأد أي محاولة لإثارة أي نوع من النعرات في المهد، أولها ما تحاول بعض لوبيات الفساد الانتخابي أن تغذيه من نعرات الاصطفاف العرقي والإثني والجغرافي دفاعا عن مصالح موبوءة فيما يخص التقطيع الجهوي.
إن السياقة في المنعرجات الضيقة والخطيرة تفترض نوعا مميزا من السائقين، ولا مكان للمتهورين في هذه الحالة، خصوصا إذا كانت السيارة تحمل أسرة بكاملها، فماذا ننتظر ممن لا يحمل حتى حزام السلامة “السمطة” في طريق شديدة الخطورة، إن من يستهدفون قوة و كرامة شعبهم لا يستأمنون لا على أرزاقنا و لا على أرواحنا، إننا فعلا نتهمهم بعدم حب هذا الوطن.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.