عاجل

سباق الزمن وجودة المحتوى: تحديات الإنتاج التلفزيوني الرمضاني المغربي

سباق الزمن وجودة المحتوى: تحديات الإنتاج التلفزيوني الرمضاني المغربي

مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك لسنة 2026، تتجدد في المشهد الإعلامي المغربي ظاهرة باتت شبه سنوية: سباق محموم مع الزمن تشهده مواقع تصوير الأعمال التلفزيونية المخصصة للعرض خلال هذا الشهر الفضيل. هذا المشهد لا يثير فقط تساؤلات حول آليات التدبير والإنتاج، بل يسلط الضوء بشكل أعمق على تحديات الإنتاج التلفزيوني الرمضاني وجودة الأعمال التي تُعرض على الجمهور المغربي، الذي يزداد وعياً ونقداً.

فبينما تستكمل بعض الشركات مراحل التصوير والمونتاج في هدوء نسبي، تظل أوراش أخرى تعج بالعمل المتواصل لساعات متأخرة، تحت ضغط هائل يستنزف الطاقات الإبداعية والتقنية على حد سواء. هذا الوضع، الذي يعكس اختلالات بنيوية في التخطيط الزمني، يطرح علامات استفهام كبرى حول مستقبل جودة المحتوى التلفزيوني المحلي.

أسباب تحديات الإنتاج التلفزيوني الرمضاني: غياب الرؤية الاستباقية

إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية استباقية واضحة المعالم لإدارة الموسم الرمضاني، الذي يُعد الأكثر استهلاكاً للمحتوى التلفزيوني في المغرب. فبدلاً من اعتماد خطط إنتاج طويلة الأمد تضمن مراحل مريحة للكتابة، التصوير، والمونتاج، يتم غالباً الرهان على عامل اللحاق بالموعد النهائي، وهو ما يُعرف بـ“سياسة اللحظة الأخيرة”. هذه السياسة تضع المخرجين، الممثلين، والتقنيين في موقف حرج، حيث يُطلب منهم إنجاز مهام معقدة في فترات زمنية ضيقة جداً.

من بين الأسباب التي تغذي هذه الإشكالية:

  • تأخر إقرار الميزانيات: غالباً ما تتأخر القنوات أو الجهات الممولة في المصادقة على الميزانيات، مما يؤجل انطلاق عمليات الإنتاج التلفزيوني إلى وقت متأخر.
  • تعديلات السيناريو المستمرة: قد تشهد السيناريوهات تعديلات متكررة حتى أثناء مرحلة التصوير، مما يفرض إعادة جدولة ويضيف ضغطاً إضافياً.
  • إكراهات لوجستية: صعوبة التنسيق بين مواقع التصوير المتعددة، توفر المعدات، أو حتى جداول أعمال النجوم المعروفين.
  • ضعف التخطيط الأولي: عدم وجود دراسات جدوى كافية وخطط تنفيذية مفصلة تسبق الشروع في العمل.

تأثير السرعة على الجودة الفنية والتقنية للمحتوى الرمضاني

لا يقتصر تأثير هذا السباق المحموم مع الزمن على الجانب اللوجستي فحسب، بل يمتد ليطال جوهر العمل الفني وجودته النهائية. فالمراحل الحساسة مثل الكتابة الإبداعية، الإخراج الدقيق، والمونتاج الاحترافي، تتطلب وقتاً كافياً للتفكير والإتقان.

يتساءل متتبعو الشأن السمعي البصري عن مدى تأثر هذه الجوانب بالضغط الزمني: هل يتم التضحية بعمق القصة من أجل سرعة الإنجاز؟ هل تُقدم حلول إخراجية سريعة على حساب الرؤية الفنية المتكاملة؟ وهل يُنجز المونتاج بطريقة استعجالية تفقد العمل النهائي تماسكه وجماله؟

أمثلة مثل سلسلة “عمارة السعادة”، ومسلسل “رحمة” في جزئه الثاني الذي واجه توقفات بسبب إكراهات إنتاجية ومادية، ومسلسل “الهيبة.. راس جبل” الذي ما زال في طور الإنجاز بالرغم من البدء المبكر في الترويج له، كلها تعكس هذا الواقع الذي يهدد بتقويض الجودة الفنية التي يطمح إليها المشاهد.

بين الكم والجودة: رهان القنوات المغربية

تعول القنوات التلفزيونية المغربية سنوياً على تقديم سلة متنوعة من الأعمال الرمضانية، تجمع بين الدراما الاجتماعية والكوميديا، بهدف رفع نسب المشاهدة واستقطاب أكبر عدد من المتفرجين. هذا الرهان على الكم والتنوع يواجه انتقادات متزايدة تتعلق بجودة بعض هذه الأعمال، التي غالباً ما تنجز في ظروف زمنية ضاغطة.

بات المشاهد المغربي، الذي يخصص جزءاً مهماً من وقته لمتابعة هذه الإنتاجات، أكثر وعياً ونقداً. لم يعد يقبل بأعمال تُنجز على عجل وتقدَّم فقط من أجل ملء الشبكة البرامجية، بل يبحث عن محتوى ذي قيمة فنية ومضمون هادف يعكس قضاياه وتطلعاته، مستفيداً من البدائل المتوفرة على المنصات الرقمية وخدمات الفيديو حسب الطلب.

دعوات للتغيير ورؤية استباقية لمواجهة تحديات الإنتاج التلفزيوني الرمضاني

يطالب مهنيون وجمهور على حد سواء بإعادة النظر في دفاتر التحملات وآجال الإنتاج، بما يضمن كرامة العاملين في القطاع وجودة الأعمال المعروضة على الجمهور. يتطلب الأمر اعتماد رؤية استباقية تُفعل قبل أشهر طويلة من حلول رمضان، مع جدولة زمنية واضحة ومريحة تتيح لكل مرحلة من مراحل الإنتاج حقها كاملاً.

لا يتعلق الأمر فقط بتوفير برامج جديدة، بل بتقديم محتوى يُثري المشهد الثقافي والإعلامي، ويترك أثراً إيجابياً لدى المتلقي. إن الاستثمار في التخطيط الجيد والإنتاج المحترف هو استثمار في الذوق العام وفي سمعة الصناعة التلفزيونية المغربية. على القنوات وشركات الإنتاج أن تدرك أن الزمن قد تغير، وأن المشاهد لم يعد يرضى بـ”التفاهة المعتادة”، بل يبحث عن الجودة والإبداع.

للمزيد من الأخبار والتحليلات حول المشهد الإعلامي، تابعوا أحدث المستجدات على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.