لم يعد دخول الأطفال والمراهقين إلى الفضاء الرقمي مجرد دخول إلى عالم ترفيهي، بل أصبحوا يتعلمون ويتبادلون المعلومات ويتعرضون لمخاطر قد لا يدركون أبعادها الكاملة. وتثير هذه الظاهرة تساؤلات جدية حول فعالية سياسات المنع المباشر في حماية النشء من أخطار الإنترنت، خاصة في ظل غياب استراتيجيات تربوية وتوعوية شاملة.
وفقا لدراسات حديثة، يقضي الأطفال والشباب في العالم العربي وقتا متزايدا على المنصات الرقمية، مما يجعلهم عرضة لمخاطر متعددة، منها التنمر الإلكتروني، والاستغلال عبر الإنترنت، والإدمان الرقمي، والتعرض لمحتوى غير مناسب. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 60 في المئة من الأطفال في المنطقة يستخدمون الإنترنت يوميا دون إشراف كاف من الأهل أو المربين.
في هذا السياق، يؤكد خبراء في التربية الرقمية وعلم النفس أن استراتيجية المنع التقليدية، المتمثلة في حظر التطبيقات أو تقييد الوصول إلى الإنترنت، لم تعد مجدية وحدها. فبدلا من حماية الأطفال، قد تدفعهم هذه الإجراءات إلى البحث عن بدائل غير مراقبة أو إلى إخفاء نشاطهم الرقمي، مما يزيد من مخاطر تعرضهم للأذى.
ويشير المختصون إلى أن النهج الأكثر فعالية يقوم على التوعية الرقمية المبنية على الحوار، وتعليم الأطفال كيفية التعرف على المحتوى الخطير والإبلاغ عنه، وتنمية مهارات التفكير النقدي لديهم. كما يؤكدون على أهمية إشراك الأسر والمدارس في بناء ثقافة رقمية آمنة تمكن الشباب من الاستفادة من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا مع تقليل الأضرار المحتملة.
من جانبه، لاحظ المرصد الوطني لحقوق الطفل في المغرب تزايدا في حالات التحرش الإلكتروني والتنمر الرقمي بين المراهقين. ودعا المرصد إلى تفعيل برامج وطنية لتوعية الأطفال وأولياء الأمور والمعلمين بمخاطر الفضاء الرقمي، مع إنشاء آليات للإبلاغ عن المخالفات تكون سهلة المنال وفعالة.
على الصعيد التشريعي، تشهد العديد من الدول العربية، من بينها المغرب، تحديثا لقوانين الجرائم الإلكترونية لتشمل حماية خاصة للقاصرين. غير أن هذه القوانين تظل بحاجة إلى آليات تنفيذ واضحة وتعاون وثيق بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص لتكون رادعة وفعالة.
وفي هذا الإطار، تطلق منظمات غير حكومية مبادرات لتعزيز محو الأمية الرقمية للأسر، وتقدم أدوات عملية تساعد الآباء على فهم المنصات الرقمية التي يستخدمها أبناؤهم، وتزويدهم باستراتيجيات للرقابة الإيجابية التي لا تخل بالثقة المتبادلة. وتشمل هذه المبادرات ورش عمل ودورات تدريبية مباشرة وعبر الإنترنت.
يتوقع الخبراء أن تستمر الجهود الرامية إلى تطوير مقاربات متكاملة لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على التوعية بدلا من المنع، وتحديث الأدوات التكنولوجية والتشريعية باستمرار لمواكبة تطورات المشهد الرقمي.
التعليقات (0)
اترك تعليقك