عاجل

تدهور نسبة التعويضات في قطاع التأمين المغربي: السيارات تقود الارتفاع وشركات التأمين تعوض عبر الاستثمارات

تدهور نسبة التعويضات في قطاع التأمين المغربي: السيارات تقود الارتفاع وشركات التأمين تعوض عبر الاستثمارات

يشهد قطاع التأمين في المغرب تحولات لافتة خلال سنة 2025، حيث كشف التقرير السنوي حول الاستقرار المالي، الصادر عن بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي وهيئة السوق المالية، عن ارتفاع ملحوظ في نسبة التعويضات، وهو ما يضع ضغوطًا على الأداء الفني لشركات التأمين. غير أن هذه الشركات تمكنت من تحويل التحديات إلى فرص، محققة أعلى مستوى من الربحية منذ عقد كامل، وذلك بفضل ذكاء استثماراتها المالية. في هذا المقال، نستعرض تفاصيل هذا التقرير، ونحلل أسبابه وتداعياته على السوق، مع التركيز على قطاع السيارات الذي يقود هذا الارتفاع.

ارتفاع نسبة التعويضات في قطاع التأمين المغربي: قراءة في الأرقام

كشف التقرير أن نسبة التعويضات الإجمالية في قطاع التأمين المغربي ارتفعت إلى 68.5% في سنة 2025، مقارنة بـ 66.7% في السنة الماضية، أي بزيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية. هذا الارتفاع لم يكن محصورًا في شركة بعينها، بل شمل غالبية شركات التأمين العاملة في السوق، مما يشير إلى ظاهرة هيكلية وليست عابرة. وقد جاء هذا التدهور بشكل أساسي من فرع التأمينات غير المتعلقة بالحياة (Non-Vie)، وتحديدًا من قطاعي السيارات وحوادث الشغل.

ففي قطاع السيارات، الذي يمثل العمود الفقري لهذا الفرع، قفزت نسبة التعويضات إلى 76.9%، بارتفاع قدره 7.6 نقطة مئوية. أما في قطاع حوادث الشغل والأمراض المهنية، فقد ارتفعت النسبة إلى 82.9%، بزيادة 2.9 نقطة. هذه الأرقام تعكس تدهورًا واضحًا في الأداء الفني لهذه الفروع، وهو ما يستدعي مراجعة استراتيجيات التسعير وإدارة المخاطر.

وعلى النقيض، ساهمت بعض الفروع الأخرى في تخفيف حدة هذا التدهور، مثل فروع الحوادث البدنية والمرض والأمومة، وتأمين الأخطار التقنية، والنقل، حيث شهدت هذه الفروع انخفاضًا في نسب التعويضات خلال نفس الفترة.

تأثير إعادة التأمين على نسبة التعويضات الصافية

عند النظر إلى نسبة التعويضات الصافية من إعادة التأمين، نجد أنها بلغت 73.5% في 2025، مقارنة بـ 70.9% في 2024، مما يؤكد استمرار الاتجاه التصاعدي. ومن اللافت أن هذه النسبة الصافية تظل أعلى من النسبة الإجمالية، وهو ما يعكس مساهمة محدودة من إعادة التأمين في تخفيف الأعباء. ويفسر التقرير ذلك بتراجع عدد الحوادث الكبرى في بعض الفروع التي تعتمد بشكل كبير على إعادة التأمين، مما قلل من تفعيل وثائق إعادة التأمين.

كما أشار التقرير إلى تدهور النسبة المركبة، التي تقيس الأداء الفني بما في ذلك أعباء التسيير، حيث ارتفعت إلى 105.1%، بزيادة 2.8 نقطة مئوية. هذا الرقم الذي يتجاوز 100% يعني أن شركات التأمين تنفق أكثر مما تجنيه من أقساط، لكنها تعوض ذلك من خلال عائدات استثماراتها المالية.

الربحية تصل أعلى مستوى في عشر سنوات بفضل الاستثمارات

رغم تدهور المؤشرات الفنية، تمكن قطاع التأمين المغربي من تحقيق قفزة في الربحية، حيث ارتفعت الأرباح الإجمالية بنسبة 21.4%، مدفوعة بشكل أساسي بالأداء المالي القوي. فقد بلغ صافي النتيجة التقنية لفرع التأمينات غير الحياة 4.9 مليار درهم، بزيادة 25.7%، وذلك بفضل ارتفاع الرصيد المالي إلى 5.6 مليار درهم، أي بزيادة 41.5%، وهو ما عوض بشكل كبير تراجع هامش الاستغلال الخام الذي انخفض إلى 2.2 مليار درهم (-10.5%).

هذا الأداء المالي المتميز سمح بتحسين العائد على حقوق المساهمين (ROE) إلى 11.1%، وهو أعلى مستوى له منذ عشر سنوات، بزيادة 1.5 نقطة مئوية عن السنة الماضية. ويعكس هذا التحسن قدرة شركات التأمين على إدارة محافظها الاستثمارية بذكاء، والاستفادة من ظروف السوق المالية، رغم التحديات التي تواجهها في نشاطها الأساسي.

قطاع السيارات: تحت المجهر

يحتل قطاع التأمين على السيارات مكانة محورية في السوق المغربية، حيث يستحوذ على حوالي 47% من أقساط فرع التأمينات غير الحياة، وذلك بفضل الطابع الإلزامي للتأمين على المسؤولية المدنية، ووجود أسطول وطني يضم حوالي خمسة ملايين مركبة. هذا القطاع كان المحرك الرئيسي لتدهور نسبة التعويضات، مما يستدعي تدخلًا تنظيميًا وتقنيًا لضبطه.

وفي هذا السياق، شهدت سنة 2025 إتمام مراجعة ظهير 1984 المتعلق بتعويض ضحايا حوادث السير، وهي مراجعة تهدف إلى مواءمة نظام التعويض مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المغرب على مدى أربعين سنة. ومن أبرز ملامح هذه الإصلاحات إحداث آلية للمراجعة الدورية كل خمس سنوات لعتبات الأجر المرجعي المستخدم في حساب التعويضات، بدلًا من الآلية القديمة المرتبطة بنظام أجور الوظيفة العمومية.

هذه الإصلاحات من شأنها أن تساهم في تحسين شفافية وعدالة نظام التعويضات، لكنها قد تزيد أيضًا من تكلفة التعويضات على شركات التأمين، مما يستدعي منها تطوير نماذج تسعير أكثر دقة، والاستثمار في التكنولوجيا لتحسين إدارة المطالبات.

تحديات وفرص: نظرة مستقبلية

يواجه قطاع التأمين المغربي تحديات متعددة، أبرزها ارتفاع نسبة التعويضات في فروع رئيسية مثل السيارات وحوادث الشغل، وهو ما يضغط على الهوامش الفنية. غير أن القطاع يمتلك أيضًا فرصًا واعدة، خاصة في ظل النمو الاقتصادي المتوقع، وزيادة الوعي التأميني، وتطوير منتجات جديدة مثل التأمين التكافلي والتأمين الرقمي.

ولمواجهة هذه التحديات، يتعين على شركات التأمين تبني استراتيجيات أكثر ابتكارًا، مثل استخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتقييم المخاطر بشكل أدق، وتحسين عمليات تسوية المطالبات، وتعزيز التعاون مع السلطات التنظيمية لتطوير بيئة تشريعية ملائمة. كما أن الاستثمار في تدريب الكوادر البشرية ورفع كفاءتها يعد ركيزة أساسية لضمان استدامة القطاع.

وفي الختام، يمكن القول إن قطاع التأمين المغربي يمر بمرحلة حاسمة، حيث يتعين عليه الموازنة بين الحفاظ على ربحيته وتحسين خدماته للعملاء، في ظل متغيرات اقتصادية واجتماعية متسارعة. وبينما تمكنت الشركات من تعويض تدهور الأداء الفني بفضل الاستثمارات، فإن الاستمرار في هذا النهج قد لا يكون كافيًا على المدى الطويل، مما يستدعي إصلاحات جذرية في إدارة المخاطر.

للمزيد من المعلومات حول قطاع التأمين في المغرب، يمكنكم الاطلاع على مقال ويكيبيديا حول التأمين. وللاطلاع على آخر الأخبار الاقتصادية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.