في ظل الحديث عن النمو الاقتصادي الذي تشهده المغرب، تظل فئة واسعة من الشباب خارج دائرة الاستفادة، حيث كشف تقرير حديث صادر عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية أن الشباب المغربي خارج التعليم والتوظيف يبلغ نحو 2.94 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، وهو ما يمثل 33.6% من هذه الفئة العمرية. هذه الأرقام، التي تعود إلى سنة 2023، تطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية السياسات العمومية في تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص حقيقية للشباب.
الشباب المغربي خارج التعليم والتوظيف: أزمة هيكلية تتجاوز البطالة
لا تقتصر مشكلة الشباب المغربي خارج التعليم والتوظيف على كونهم عاطلين عن العمل فحسب، بل تشمل فئات أوسع مثل من غادروا المدرسة مبكراً، والخريجين الذين لم يحصلوا على أول تجربة مهنية، والأشخاص الذين فقدوا الأمل في البحث عن عمل، والنساء اللواتي يتحملن مسؤوليات أسرية تمنعهن من الانخراط في سوق العمل. وتكشف البيانات عن فجوة كبيرة بين الجنسين، حيث تبلغ نسبة الشباب خارج التعليم والتوظيف 49.1% لدى الإناث مقابل 18.5% لدى الذكور، مما يعكس عوائق اجتماعية وثقافية عميقة.
وتشير دراسة حديثة إلى أن هذه الفئة تعاني من ما يسمى بـ”حلقة الخبرة المفقودة”، حيث تطلب الشركات خبرة سابقة لا يمكن للشباب اكتسابها دون توظيف مسبق. كما أن 34% من الشباب يرون أن عدم تطابق التكوين مع متطلبات السوق هو العائق الرئيسي، بينما يرى 18.8% أن غياب الخبرة هو المشكلة. هذا الوضع يخلق إحباطاً متزايداً ويدفع الكثيرين إلى التفكير في الهجرة، حيث أبدى 55% من الشباب المغربي رغبتهم في مغادرة البلاد.
النمو الاقتصادي لا يصل إلى الجميع
على الرغم من تحقيق المغرب لنمو اقتصادي بلغ 4.9% في سنة 2025، إلا أن هذا النمو لم ينعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين، حيث لم تتجاوز الزيادة في الاستهلاك الخاص 1.2% فقط. ويشير التقرير إلى أن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكبرى، مثل انخفاض التضخم إلى 0.8% وتراجع عجز الميزانية إلى 3.5%، لم يترجم إلى ارتفاع في الدخول أو تحسن في القدرة الشرائية أو توسع في فرص العمل.
وتظهر الأرقام أن الاقتصاد المغربي خلق 193 ألف فرصة عمل صافية في سنة 2025، وهو رقم غير كافٍ مقارنة بالاحتياجات الفعلية، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المغرب يحتاج إلى حوالي 370 ألف فرصة عمل سنوياً لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل. كما أن معدل المشاركة في سوق العمل لا يتجاوز 41.8%، وهو أقل بكثير من المعدل العالمي البالغ 61%، مما يعني أن جزءاً كبيراً من السكان لا يبحثون عن عمل أصلاً.
التعليم والرقمنة: فرص ضائعة
رغم أن 56% من الشباب المغربي تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة حصلوا على تعليم ما بعد الثانوي، إلا أن هذا التحصيل العلمي لا يضمن الحصول على وظيفة. كما أن 76.9% من الشباب يستخدمون الإنترنت، لكن هذا الاستخدام لا يترجم إلى مهارات رقمية مطلوبة في سوق العمل، مثل البرمجة وتحليل البيانات وإدارة المشاريع. ويشير التقرير إلى أن الشركات تبحث بشكل متزايد عن مهارات تقنية وشاملة، مما يستدعي إعادة النظر في برامج التكوين.
وتؤدي هذه الأوضاع إلى تأخر استقلالية الشباب، حيث يظل الكثيرون معتمدين على أسرهم مالياً حتى بعد انتهاء دراستهم، مما يثقل كاهل الأسر التي تعاني أصلاً من ضغوط مالية. ومع تقدم التحول الديموغرافي في المغرب، حيث ترتفع نسبة كبار السن وتنخفض نسبة الأطفال، يصبح استثمار الشباب أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
حلول مقترحة: عقد وطني من أجل الإدماج
يقترح المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية مجموعة من الحلول العملية، أبرزها إطلاق عقد وطني لمدة خمس سنوات يركز على أهداف محددة وقابلة للقياس، مثل تقليص مدة البطالة، وتعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء، وضمان أول تجربة مهنية مدفوعة الأجر، وتحسين ملاءمة التكوين مع احتياجات السوق. كما يدعو إلى إنشاء منصات محلية تجمع بين الجماعات ووكالة إنعاش التشغيل ومكتب التكوين المهني والشركات والجمعيات، لتسهيل وصول الشباب إلى فرص التدريب والعمل.
ويشدد التقرير على أهمية الاعتراف بالمهارات المكتسبة خارج النظام التعليمي الرسمي، وتطوير التكوين المهني، وتقريب برامج التكوين من احتياجات الشركات. كما يقترح إحداث عقود أول تجربة مهنية تدوم من 9 إلى 12 شهراً، تجمع بين الدعم المالي والتكوين والمرافقة المستمرة، بهدف تحويل أول توظيف إلى انطلاقة حقيقية للمسار المهني.
لمواجهة هذا التحدي، تحتاج المغرب إلى إرادة سياسية قوية وتنسيق بين جميع الفاعلين، مع توفير بيانات دقيقة وتقييم مستقل للبرامج. فالأمر لا يتعلق بإضافة برامج جديدة، بل ببناء نظام متكامل يضمن للشباب الانتقال السلس من التعليم إلى الحياة العملية. وللاطلاع على المزيد من التحليلات حول قضايا الشباب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
ولفهم أعمق لمفهوم الشباب خارج التعليم والتوظيف، يمكن الرجوع إلى ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك