عاجل

قانون النقابات في المغرب: توترات وحوار متعثر بين الحكومة والمركزيات النقابية

قانون النقابات في المغرب: توترات وحوار متعثر بين الحكومة والمركزيات النقابية

قانون النقابات في المغرب: توترات وحوار متعثر بين الحكومة والمركزيات النقابية

في خضم التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المغرب، يبرز ملف قانون النقابات المغربي 2026 كأحد أبرز الملفات الشائكة التي تعكس حالة من الجمود في العلاقة بين الحكومة والمركزيات النقابية. فبينما تؤكد النقابات استعدادها للحوار، تشترط توافقاً حقيقياً حول مضامين النص القانوني، في المقابل، تلوح الحكومة بإرادة تمرير المشروع رغم التحفظات.

في هذا السياق، جددت المنظمات النقابية المغربية موقفها الرافض لما وصفته بـ”التعثر المفتعل” لمشروع القانون رقم 24.19، محملة الحكومة مسؤولية استمرار تجميده. وأكدت هذه المنظمات أن تعثر المشروع لا يعود إلى رفضها لمضامينه، بل إلى غياب الإرادة السياسية لاستئناف الحوار المؤسساتي حوله. هذا الموقف جاء في وقت كشفت فيه مصادر نقابية عن استعدادها للانخراط في أي نقاش جاد يفضي إلى صيغة توافقية.

من جهته، قدم يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، جواباً كتابياً أكد فيه أن الإطار التشريعي الحالي، المتمثل في الظهير الشريف رقم 1.57.119 بشأن النقابات المهنية ومقتضيات مدونة الشغل، يظل هو المعمول به لتنظيم ممارسة الحق النقابي. وأشار الوزير إلى أن الحكومة أعدت مشروع القانون رقم 24.19 بهدف تطوير التأطير القانوني للعمل النقابي، وتعزيز قواعد الحكامة والشفافية في التدبير المالي، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، وتحديد ضوابط التمثيلية النقابية.

وأوضح السكوري أن المشروع تمت إحالته في مناسبات متعددة على الشركاء الاجتماعيين والقطاعات الحكومية المعنية، كما تم عرضه على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي أبدى رأيه وقدم توصيات تم الاستئناس بها في مراجعة عدد من مقتضياته. غير أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لتهدئة المخاوف النقابية.

موقف النقابات: لا معارضة مبدئية لكن بشروط

في تصريح حصلي عليه موقع الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، أكد محمد حيتوم، عضو الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، أن النقابات العمالية لا تعاني من أي فراغ تشريعي في المغرب، مشيراً إلى أن مدونة الشغل تتضمن باباً خاصاً بالنقابات يتناول تنظيمها وقواعد التمثيلية، فضلاً عن استمرار سريان ظهير سنة 1957. وأضاف حيتوم أن النقابات لم تكن يوماً ضد إصدار قانون يؤطر عملها، شريطة أن يضمن لها ممارسة حقوقها الدستورية والقانونية، مؤكداً أن المطلوب هو فتح نقاش جاد يفضي إلى توافق مسبق بشأن مشروع النص.

وشدد حيتوم على أن الحكومة إذا كانت ترغب في تمرير قانون النقابات فهي قادرة على ذلك بالنظر إلى الأغلبية السياسية والحكومية التي تتوفر عليها، لكنه حذر من أن الرأي العام يرى أن هذه الأغلبية تخدم مصالح الباطرونا وتحافظ على امتيازاتها، وهو ما يفسر طبيعة التعاطي مع عدد من الملفات الاجتماعية. واستحضر النقابي نفسه سوابق عانت منها الحركة النقابية، مشيراً إلى أن الحكومات قد تستغل فترة تصريف الأعمال لتمرير نصوص بشكل تعسفي، كما حدث سنة 2021 خلال حكومة سعد الدين العثماني.

من جانبه، قال يونس فراشين، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إن المركزية النقابية لا تعارض إصدار قانون ينظم العمل النقابي، شريطة أن يكون منسجماً مع المعايير الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية، والاتفاقية رقم 98 الخاصة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية. وأضاف فراشين أن الكونفدرالية توصلت في وقت سابق بمشروع القانون واشتغلت على مواده وقدمت مقترحات، غير أن الحكومة هي التي أوقفت العمل عليه، مؤكداً أن النقابة مازالت منفتحة على استئناف النقاش متى بادرت الحكومة إلى ذلك.

وأشار فراشين إلى أن الولاية الانتدابية الحالية تبدو عملياً انتهت، مما يجعل البت في هذا النص مستبعداً عموماً، لكنه شدد على أن الكونفدرالية تدعم أيضاً مراجعة الإطار المنظم للانتخابات المهنية، معتبراً أن هناك ضرورة لإعادة النظر في معايير التمثيلية والانتخابات المهنية بما يضمن النزاهة والشفافية ويعكس الامتداد الحقيقي للمنظمات النقابية.

الحوار الاجتماعي: بين الشروط والمقترحات

في هذا السياق، يرى مراقبون أن ملف قانون النقابات المغربي 2026 يعكس أزمة ثقة عميقة بين الحكومة والنقابات، حيث تطالب الأخيرة بضمانات حقيقية بعدم المساس باستقلاليتها، بينما تسعى الحكومة إلى فرض رؤيتها في التدبير المالي والديمقراطية الداخلية. وتشير التصريحات النقابية إلى أن هناك نقاطاً خلافية جوهرية تتعلق بمعايير التمثيلية وآليات انتخاب القيادات النقابية، وهي النقاط التي قد تشكل عقبة أمام أي توافق.

وتجدر الإشارة إلى أن النقابات تطالب أيضاً بمراجعة الإطار القانوني المنظم للإضراب، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد. فبعد إقرار قانون تنظيم حق الإضراب الذي أثار حفيظة منظمة العمل الدولية، تخشى النقابات من أن يكون قانون النقابات خطوة إضافية نحو تقييد الحريات النقابية.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن مستقبل قانون النقابات في المغرب يظل رهيناً بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات والانخراط في حوار جاد ومسؤول. فالحكومة مطالبة بإثبات حسن نيتها من خلال الاستجابة لمطالب النقابات المشروعة، بينما يتعين على النقابات تقديم تنازلات ذكية تخدم مصلحة الشغيلة وتضمن استقرار العلاقات المهنية.

وللاطلاع على المزيد حول المعايير الدولية للحقوق النقابية، يمكن الرجوع إلى ويكيبيديا: حرية التكتل.

في الختام، يبقى ملف قانون النقابات المغربي 2026 اختباراً حقيقياً لجدية الحكومة في التعامل مع الملفات الاجتماعية، ومدى التزامها بمبادئ الحوار والتشاور. فالمطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى هو إرادة سياسية حقيقية لطي صفحة الخلافات والانطلاق نحو مرحلة جديدة من العلاقات الاجتماعية المتوازنة التي تراعي مصالح جميع الأطراف.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.