تسعى الاستراتيجية الفلاحية “الجيل الأخضر 2020-2030” إلى تحويل مليون هكتار من الأراضي الزراعية إلى الزراعة الحافظة في المغرب، بهدف مواجهة تدهور التربة والإجهاد المائي وتغير المناخ. لكن دراسة حديثة نشرت في مجلة “النظم الزراعية” تكشف أن الطريق نحو هذا الهدف ما زال طويلاً، حيث أن تبني هذه الممارسات يواجه عقبات كبيرة تتعلق بالتمويل والمعدات أكثر من ارتباطها بالظروف المناخية أو الجغرافية.
واقع الزراعة الحافظة في المغرب: دراسة ميدانية شاملة
أجرى باحثون من المركز الدولي للدراسات الزراعية المتوسطية (CIHEAM-IAMM) والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) والمعهد الزراعي والبيطري حسن الثاني وجامعات كوينزلاند وألبرتا ومركز ZALF الألماني، دراسة ميدانية شملت 3589 مزرعة في تسع جهات بالمملكة. وهدفت الدراسة إلى تقييم مدى جاهزية الفلاحين لتبني الزراعة الحافظة، وذلك من خلال بناء مؤشر “الاستعداد” الذي يقيس السلوكيات والوعي والمعرفة التقنية.
أربعة نماذج زراعية وتباين في الاستعداد
كشفت الدراسة عن وجود أربعة أنواع رئيسية من المزارع في المغرب، تختلف في خصائصها البنيوية والوظيفية، وتتفاوت في درجة استعدادها لتبني الزراعة الحافظة:
- المزارع المتنوعة: تمثل 21.6% من العينة، وتتركز في جهة بني ملال-خنيفرة، وتتميز بمساحات كبيرة (8.2 هكتار) وري بالرش، لكن استعدادها منخفض (32.4%) بسبب ضعف الإرشاد الزراعي.
- المزارع الحبوبية المروية بالتنقيط: تمثل 30.4%، وتوجد في سهول الدار البيضاء-سطات وفاس-مكناس، وتتمتع بأعلى استعداد (49.8%) بفضل استخدام التطبيقات الذكية والوعي بأهمية الزراعة الحافظة.
- المزارع الصغيرة للكفاف: تمثل 30.2%، وتمتلك مساحات صغيرة (3.7 هكتار)، واستعدادها ضعيف (28.8%)، مع إدراك منخفض لتأثير تغير المناخ رغم ملوحة التربة.
- المزارع الحبوبية المتخصصة: تمثل 17.7%، وهي الأقل استعداداً (10.6%)، وتعاني من نقص شبه كامل في المعرفة والمعلومات.
الفجوة بين الوعي والمعرفة العملية
من أبرز نتائج الدراسة أن الفلاحين في المزارع الحبوبية المروية، رغم وعيهم العالي بمبادئ الزراعة الذكية مناخياً (77.5%) وإدراكهم لفائدتها (76.6%)، إلا أن 1.9% فقط منهم يمتلكون معرفة عملية حقيقية بتقنيات الزراعة الحافظة. هذا يشير إلى أن نظام الإرشاد الزراعي يركز على التوعية دون التدريب العملي، مما يعيق التحول الفعلي.
العوامل المؤثرة في التبني: المعدات والتمويل قبل الجغرافيا
أظهرت الدراسة أن العائق الأكبر أمام تبني الزراعة الحافظة هو نقص المعدات المناسبة، حيث ذكر 99% من الفلاحين في المزارع المتنوعة هذا العائق. كما أن نقص التمويل يحتل المرتبة الثانية، خاصة في المزارع الحبوبية المتخصصة. وبالمقابل، لم تكن العوامل المناخية أو نوع التربة هي المحدد الرئيسي، حيث أن المزارع الأكثر استعداداً تعمل في بيئة أكثر جفافاً (357 ملم فقط من الأمطار سنوياً).
تضارب استخدامات القش: عائق بنيوي
تواجه الزراعة الحافظة في المغرب تحدياً إضافياً يتمثل في بيع القش بدلاً من تركه كغطاء للتربة، وهو أحد الركائز الأساسية لهذه الممارسات. هذا الصراع بين استخدام القش كعلف للحيوانات أو كمصدر دخل إضافي وبين الحاجة إلى تغطية التربة، يمثل معضلة هيكلية تتطلب تطوير مصادر علفية بديلة.
توصيات لسياسات فعالة
تشدد الدراسة على ضرورة تبني سياسات متمايزة حسب نوع المزرعة، بدلاً من نهج موحد. فالمزارع المروية تحتاج إلى تدريب تقني معمق، بينما تحتاج المزارع المتنوعة إلى مرافقة تشاركية، والمزارع الصغيرة والمتخصصة إلى تحسين التواصل حول مخاطر المناخ. كما أن تحقيق هدف مليون هكتار يتطلب تسريع وتيرة التحول، حيث أن المساحة الحالية تحت البذر المباشر لا تتجاوز 85 ألف هكتار، وهي بعيدة عن الهدف الوسيط البالغ 200 ألف هكتار بحلول 2025.
للمزيد من المعلومات حول الزراعة الحافظة، يمكنكم الاطلاع على مقال ويكيبيديا عن الزراعة الحافظة. وللاطلاع على آخر الأخبار الاقتصادية والفلاحية في المغرب، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك