مقدمة: أزمة خفية في قطاع السكر المغربي
في قلب المنطقة الشرقية للمغرب، وتحديداً في سهل ملوية السفلى، تختبئ أزمة بيئية واقتصادية تهدد أحد أعمدة الصناعة الغذائية الوطنية. فبينما تتركز الأنظار على قضايا الطاقة والماء، تتراجع زراعة الشمندر السكري بشكل صامت، تاركة خلفها أسئلة حول مستقبل الأمن الغذائي في المملكة. دراسة حديثة نشرت في مجلة “الاقتصاد والبيئة” تلقي الضوء على هذه المعضلة، كاشفة عن علاقة وثيقة بين ندرة الأمطار وتدهور هذه الزراعة الحيوية.
منذ ستينيات القرن الماضي، اعتمدت منطقة ملوية السفلى على الشمندر السكري كمحصول استراتيجي، حيث أنشئت مصنع سكر زاييو ليكون القلب النابض للاقتصاد المحلي. لكن مع مرور الزمن، وتحول المناخ نحو مزيد من الجفاف، بدأت ملامح هذه الصناعة في التلاشي، مما يستدعي وقفة جادة لفهم الأبعاد الكاملة لهذه الأزمة.
الشمندر السكري في المغرب: بين الأهمية الاقتصادية والهشاشة المناخية
يعتبر الشمندر السكري من المحاصيل الصناعية الرئيسية في المغرب، حيث يساهم في تلبية جزء كبير من احتياجات السوق المحلية من السكر. وتتركز زراعته في مناطق سهل الغرب، اللوكوس، تادلة، والشاوية، بالإضافة إلى منطقة ملوية السفلى التي كانت تعتبر من أهم المناطق المنتجة. إلا أن هذه الزراعة تواجه تحديات جمة، أبرزها التغيرات المناخية التي أدت إلى تراجع التساقطات المطرية وارتفاع درجات الحرارة، مما ينعكس سلباً على الإنتاجية.
في هذا السياق، كشفت الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة محمد الأول بوجدة وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، عن تراجع مذهل في المساحات المزروعة بالشمندر السكري في منطقة ملوية السفلى. فبينما كانت المساحات المخصصة للزراعات الصناعية المكثفة تبلغ حوالي 13.686 هكتاراً في عام 2000، انخفضت إلى 8.057 هكتاراً فقط في عام 2024، أي بانخفاض يقارب 41% خلال عقدين ونصف.
تحليل البيانات: العلاقة بين الجفاف وتراجع الإنتاج
اعتمد الباحثون في دراستهم على منهجية علمية دقيقة، حيث قاموا بتحليل بيانات الإنتاج من مصنع زاييو، وربطها ببيانات التساقطات المطرية من ثلاث محطات رصد في المنطقة (العروي، بوعرك، وزاييو) خلال الفترة الممتدة بين 2002 و2018. وقد استخدموا معامل ارتباط بيرسون لقياس قوة العلاقة بين المتغيرات.
أظهرت النتائج وجود ارتباط معنوي بين التساقطات المطرية وإنتاج السكر الأبيض، والمولاس، واللب، والشمندر الخام. ففي محطة العروي، كان الارتباط معنوياً عند مستوى 0.01، بينما كان في محطة زاييو عند مستوى 0.05. هذا يؤكد أن الجفاف يؤثر بشكل غير مباشر على الإنتاج، من خلال زيادة الحاجة إلى الري، مما يرفع التكاليف ويقلل الجدوى الاقتصادية للمزارعين.
صور الأقمار الصناعية: دليل إضافي على التراجع
لم يكتف الباحثون بالبيانات الأرضية، بل استعانوا أيضاً بتقنيات الاستشعار عن بعد، وتحديداً مؤشر NDVI المستخرج من صور الأقمار الصناعية لاندسات 8. وقد أظهرت النتائج تراجعاً في قيم المؤشر من 0.5 في عام 2000 إلى 0.6 في عام 2024، مع تقلبات في السنوات الوسيطة. كما بينت الصور تراجعاً مستمراً في المساحات المزروعة بالمحاصيل الكثيفة، من 13.686 هكتاراً في 2000 إلى 8.057 هكتاراً في 2024.
هذه النتائج تعزز الفرضية التي تقول إن الجفاف المتكرر هو السبب الرئيسي وراء تراجع زراعة الشمندر السكري في المنطقة، مما أدى إلى تقليص نشاط المصنع وتهديد استمراريته.
تحديات إضافية: مشاكل تنظيمية واقتصادية
إلى جانب العوامل المناخية، تواجه زراعة الشمندر السكري في المنطقة تحديات أخرى تتعلق بالتنظيم والاقتصاد. فقد أشارت الدراسة إلى أن عدد المزارعين انخفض بشكل حاد بين عامي 2016 و2018، حيث تقلص إلى النصف تقريباً، كما انخفضت المساحات المزروعة بنسبة مماثلة. ويعود ذلك جزئياً إلى مشاكل تعاقدية مع المصنع، حيث اكتشف بعض المزارعين أن أجورهم تعتمد على نسبة السكر في الشمندر وليس فقط على الوزن، مما أثار استياءهم.
كما أن المصنع نفسه يعاني من صعوبات مالية، حيث تعرض لخسائر متتالية، وكاد أن يغلق أبوابه في عام 2018. ويواجه المصنع منافسة من وحدات أخرى تابعة لمجموعة كوسومار، مثل مصانع الغرب واللوكوس والقنيطرة، التي تركز أكثر على التصدير إلى أفريقيا.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية على المنطقة
تراجع زراعة الشمندر السكري له عواقب وخيمة على سكان المنطقة، خاصة العمال الموسميين الذين يعتمدون على هذه الزراعة في معيشتهم. وتشير الدراسة إلى أن انخفاض التساقطات المطرية يؤدي إلى تقليص عدد أيام العمل في المصنع، مما يترتب عليه تسريح عمال موسميين، أغلبهم من النساء، اللواتي يعملن في حصاد الشمندر.
كما أن تراجع هذه الزراعة يؤثر على الاقتصاد المحلي بأكمله، حيث يقل الطلب على الخدمات والمنتجات المرتبطة بها، مثل النقل والأسمدة والمبيدات. وهذا بدوره يؤدي إلى هجرة الشباب نحو المدن بحثاً عن فرص عمل أخرى، مما يزيد من الضغط على المراكز الحضرية.
آفاق مستقبلية: هل يمكن إنقاذ القطاع؟
على الرغم من التحديات الكبيرة، يرى الخبراء أن هناك إمكانية لإنقاذ قطاع الشمندر السكري في المنطقة، إذا ما تم اتخاذ إجراءات جريئة. من بين هذه الإجراءات:
- تحسين كفاءة استخدام المياه في الري، من خلال اعتماد تقنيات الري بالتنقيط والري الموفر للمياه.
- تطوير أصناف من الشمندر السكري أكثر مقاومة للجفاف، من خلال البحث العلمي والاستفادة من التجارب الدولية.
- تعزيز التعاون بين المزارعين والمصنع، من خلال عقود عادلة وشفافة تضمن حقوق الطرفين.
- دعم الدولة للمزارعين، من خلال تقديم إعانات مالية وتسهيلات ائتمانية، خاصة في سنوات الجفاف.
- تنويع مصادر الدخل للمزارعين، من خلال تشجيع الزراعات البديلة الأقل استهلاكاً للمياه.
كما يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى نجحت في التكيف مع الجفاف، مثل إسبانيا وإيطاليا، حيث تم تطوير أنظمة ري حديثة وزراعة أصناف مقاومة.
خلاصة: ضرورة التحرك العاجل
في الختام، تشير الدراسة إلى أن زراعة الشمندر السكري في منطقة ملوية السفلى تواجه خطر الاندثار إذا لم يتم التدخل بشكل عاجل. فالجفاف ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح واقعاً جديداً يجب التكيف معه. ومن الضروري أن تتعاون جميع الأطراف المعنية، من حكومة ومزارعين ومصنعين وباحثين، لوضع استراتيجية شاملة لإنقاذ هذا القطاع الحيوي.
إن استمرار تراجع هذه الزراعة لن يقتصر تأثيره على المنطقة فقط، بل سيمتد إلى الأمن الغذائي الوطني، حيث سيزيد الاعتماد على استيراد السكر من الخارج. لذا، فإن الاستثمار في مستقبل الشمندر السكري هو استثمار في مستقبل المغرب نفسه.
للمزيد من المعلومات حول تأثير التغيرات المناخية على الزراعة، يمكنكم الاطلاع على تغير المناخ. ولمتابعة آخر الأخبار الاقتصادية والزراعية في المغرب، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك