عاجل

الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي: كيف يهدد هيمنة الرجال بمستقبل نصف المجتمع؟

الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي: كيف يهدد هيمنة الرجال بمستقبل نصف المجتمع؟

الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي: حين تُصمَّم التكنولوجيا بمنظور أحادي

في وقت تتسابق فيه الدول نحو ريادة الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال ملحّ: من يقف خلف تصميم هذه الأنظمة التي ستعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات؟ الإجابة، وفق أحدث تقرير لـهيئة الأمم المتحدة للمرأة، تكشف عن خلل بنيوي عميق، إذ لا تتجاوز نسبة النساء العاملات في قطاع الذكاء الاصطناعي عالمياً 22%، بينما تتراجع نسبتهن في المناصب القيادية إلى ما دون 14%. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل مؤشر على أن الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي تتحول إلى بنية تحتية للتمييز الرقمي.

ما الذي يعنيه غياب النساء عن غرف القرار؟

حين تُتخذ القرارات الاستراتيجية والأخلاقية والمعيارية بشأن الذكاء الاصطناعي في غرف يغلب عليها الحضور الذكوري، فإن النتيجة ليست مجرد نقص في التمثيل، بل ترسيخ للتحيزات في صميم الخوارزميات. تشير دراسات متعددة إلى أن أنظمة التعلم الآلي المدربة على بيانات منحازة قد تعيد إنتاج الصور النمطية الجنسانية في مجالات حساسة مثل التوظيف، والتقييم الائتماني، وحتى التشخيص الطبي. وكلما ضاقت دائرة المشاركة النسائية في التصميم والتطوير، اتسعت الفجوة بين ما تقدمه التكنولوجيا وما تحتاجه المجتمعات فعلاً.

الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي تمتد إلى الاستخدام اليومي

لا يتوقف الأمر عند حدود الإنتاج؛ بل يمتد إلى التبني اليومي للأدوات. وفق بيانات Gender Snapshot 2026، فإن احتمال استخدام النساء لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي يقل بنحو 20% مقارنة بالرجال. هذا الفارق، الذي قد يبدو بسيطاً، يحمل تبعات خطيرة على قابلية التوظيف في سوق عمل يتجه نحو الأتمتة المتسارعة. فمع تحول المهارات الرقمية إلى شرط أساسي للاندماج الاقتصادي، يصبح كل نقطة تراجع في الاستخدام نقطة تفاقم في الهشاشة.

الوظائف النسائية في مرمى الأتمتة

تحليل منظمة العمل الدولية يضيف بُعداً آخر للصورة: المهن ذات الحضور النسائي المرتفع، مثل الرعاية الصحية والخدمات الإدارية والمساعدة الشخصية، تُعدّ الأكثر عرضة لمخاطر الأتمتة وإعادة الهيكلة. هذا يعني أن الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على من يصمم التكنولوجيا، بل تمتد إلى من سيدفع ثمن التحول الرقمي أولاً. وبعبارة أخرى، فإن النساء الأقل مشاركة في صناعة الذكاء الاصطناعي هنّ الأكثر تأثراً بتبعاته الاقتصادية.

العنف الرقمي: وجه آخر للفجوة

مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي، تتضاعف مخاطر العنف الرقمي الموجّه ضد النساء. يوثق تقرير الأمم المتحدة أن ما يقارب ربع الهجمات الإلكترونية التي تستهدف المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والصحفيات باتت تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء في إنتاج محتوى تشهيري أو في توليد صور مزيفة أو في نشر خطاب كراهية بوتيرة آلية. هذه الظاهرة تحوّل التكنولوجيا من أداة تمكين محتملة إلى سلاح إضافي في ترسانة التمييز.

نحو حوكمة شاملة: ماذا يجب أن يتغير؟

تدعو هيئة الأمم المتحدة للمرأة الحكومات وشركات التكنولوجيا والفاعلين التنمويين إلى تبني أطر تنظيمية أكثر صرامة تضمن:

  • إدماج النساء في جميع مراحل دورة حياة الذكاء الاصطناعي، من التصميم إلى النشر والتقييم.
  • تطوير معايير إلزامية لتدقيق الخوارزميات من منظور النوع الاجتماعي.
  • دعم برامج التدريب وإعادة التأهيل الرقمي للنساء في المهن الأكثر عرضة للأتمتة.
  • تعزيز آليات الحماية من العنف الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي.

إن معالجة الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي ليست مسألة عدالة اجتماعية فحسب، بل شرط لضمان أن تكون هذه الثورة الرقمية شاملة ومستدامة. ويمكن متابعة المزيد من التحليلات والتقارير التقنية عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

خاتمة: من التهميش إلى المشاركة الفعلية

ما لم تتحول الدعوات إلى سياسات ملزمة، فإن خطر أن يكرّس الذكاء الاصطناعي إقصاء نصف سكان العالم يبقى قائماً. إن مستقبل التكنولوجيا لن يكون محايداً إلا إذا كان تشاركياً، وهذا يبدأ بالاعتراف بأن الفجوة بين الجنسين في الذكاء الاصطناعي ليست تفصيلاً هامشياً، بل قضية مركزية في أي نقاش جدي حول الذكاء الاصطناعي ومستقبل المجتمعات.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.