حزب الاستقلال وانتخابات الصحراء المغربية: قراءة في النتائج والدلالات السياسية

حزب الاستقلال وانتخابات الصحراء المغربية: قراءة في النتائج والدلالات السياسية

حزب الاستقلال وانتخابات الصحراء المغربية: تصدر انتخابي يعيد رسم المشهد السياسي في الأقاليم الجنوبية

في أعقاب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، برز حزب الاستقلال وانتخابات الصحراء المغربية كأحد أبرز العناوين السياسية، بعدما حقق الحزب نتائج متقدمة في جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، محتلاً المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد والأصوات. هذا التقدم يعكس تحولاً في الخريطة السياسية للأقاليم الجنوبية، حيث تمكن الحزب من حصد خمسة مقاعد في جهة العيون وثلاثة مقاعد في جهة الداخلة، ليصبح بذلك القوة السياسية الأبرز في المنطقة.

وتأتي هذه النتائج في ظل نسبة مشاركة انتخابية مرتفعة بشكل لافت، بلغت 77.5% في جهة العيون الساقية الحمراء، و80.35% في إقليم العيون، مقابل 61% في جهة الداخلة وادي الذهب، وهي أرقام تتجاوز بكثير النسبة الوطنية التي لم تتجاوز 38.08%. هذا الحضور المكثف للناخبين يعكس وعياً متزايداً بأهمية المشاركة السياسية في هذه المنطقة التي تحظى بخصوصية وطنية ودولية.

دلالات تصدر حزب الاستقلال في الأقاليم الجنوبية

يشير تصدر حزب الاستقلال في جهتي العيون والداخلة إلى عدة دلالات سياسية واجتماعية. فمن جهة، يعكس هذا التقدم ثقة الناخبين في الخطاب السياسي للحزب الذي يربط بين الدفاع عن الوحدة الترابية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن جهة أخرى، يؤكد على فعالية الاستراتيجية التي انتهجها الحزب في السنوات الأخيرة، والتي تركز على الحضور الميداني المستمر والتواصل المباشر مع الساكنة.

وفي هذا السياق، يقول أحمد الحكوني، المفتش الجهوي لحزب الاستقلال بالعيون، إن النتائج التي حققها الحزب تعكس حجم الثقة التي يحظى بها لدى الناخبين، مشيراً إلى أن تصدر الحزب في الجهة من حيث عدد المقاعد والأصوات يؤكد قوة حضوره السياسي والتنظيمي. ويضيف أن هذا التقدم لا ينفصل عن التوجه الذي اختاره الحزب منذ سنوات في تعاطيه مع الأقاليم الجنوبية، والذي يعتبر المنطقة جزءاً أساسياً من مشروعه السياسي المرتبط بالوحدة الترابية وبناء المؤسسات.

من جانبه، يرى سيدي امحمد العياشي، المفتش الإقليمي لحزب الاستقلال بوادي الذهب، أن حصول الحزب على ثلاثة مقاعد في الجهة يترجم الحضور الانتخابي والتنظيمي القوي في مختلف الدوائر، ويؤكد استمرار الثقة في الخطاب الذي يقدمه الحزب للناخبين، خاصة في ما يتعلق بقضايا التنمية والدفاع عن المصالح المحلية. ويشير إلى أن هذه النتيجة جاءت ثمرة عمل ميداني متراكم لم يبدأ مع الحملة الانتخابية، بل راكمه الحزب على امتداد السنوات الماضية.

التحديات المقبلة: من التعبئة الانتخابية إلى الفعل المؤسساتي

مع تحقيق هذه النتائج المتقدمة، يجد حزب الاستقلال نفسه أمام تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة. فالتحدي الأول يتمثل في تحويل الرصيد الانتخابي إلى فعل مؤسساتي ملموس، سواء على مستوى البرلمان أو المؤسسات المنتخبة الأخرى. ويشير الحكوني إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعبئة الانتخابية إلى الفعل المؤسساتي، ومن الدفاع عن القضية الوطنية في بعدها السياسي إلى مواكبة متطلبات تنزيل الحكم الذاتي في بعدها الاقتصادي والاجتماعي.

ويضيف أن قوة التمثيلية الانتخابية لا تكتسب معناها الكامل إلا إذا تحولت إلى قدرة على الترافع عن ملفات التنمية المحلية وتحسين الخدمات وخلق فرص الشغل ودعم الاستثمار داخل المؤسسات الوطنية. وهذا ما يجعله يؤكد على أن الحزب سيواصل جعل الأقاليم الجنوبية في صدارة اهتماماته، انطلاقاً من قناعة بأن قوة الحضور المؤسساتي للمنطقة تشكل إحدى ركائز تثبيت المكتسبات الوطنية.

أما العياشي، فيشدد على أن أولوية الحزب تجاه الداخلة تشمل، إلى جانب الدفاع عن القضية الوطنية، مواكبة التحول الاقتصادي الذي تعرفه الجهة، والترافع من أجل تعزيز الاستثمار وفرص الشغل والبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية. ويؤكد أن التنمية تشكل وجهاً مكملاً للحضور السياسي والمؤسساتي، وأن نجاح الأوراش التنموية في الأقاليم الجنوبية يعزز ارتباط السكان بالمؤسسات ويمنح التمثيلية المنتخبة مضموناً عملياً يتجاوز التنافس الحزبي.

السياق الوطني والدولي: الحكم الذاتي كإطار للمرحلة المقبلة

تأتي هذه النتائج في ظل تحولات متسارعة على مستوى ملف الصحراء المغربية، حيث يقترب النقاش من مرحلة تنزيل الحكم الذاتي. وقد وصف نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، الحكومة المقبلة بأنها “حكومة تنزيل الحكم الذاتي”، مما يعكس تطلعات الحزب إلى لعب دور محوري في هذه المرحلة. ويشير الحكوني إلى أن الانتقال إلى مرحلة تنزيل الحكم الذاتي يقتضي وجود نخب سياسية ومؤسسات منتخبة قادرة على مواكبة هذا المسار، وأن أبناء المنطقة وفاعليها السياسيين يجب أن يكونوا في صلب النقاش المتعلق بمستقبل أقاليمهم.

ويضيف أن مبادرة الحكم الذاتي، التي جعلها الاستقلال جزءاً مركزياً من خطابه السياسي، لا ينبغي أن تبقى في مستوى المرافعة الدبلوماسية والسياسية، وإنما تستدعي مواكبة مؤسساتية وتنموية من داخل المنطقة نفسها، بما يجعل المنتخبين والفاعلين المحليين شركاء في بلورة مضامين المرحلة المقبلة. وهذا ما يجعله يؤكد على أن الحزب سيواصل العمل على تعزيز الحضور المؤسساتي في الأقاليم الجنوبية، وربط العمل البرلماني بالانتظارات الفعلية للساكنة.

وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أن الحكم الذاتي أصبح يشكل إطاراً رئيسياً للنقاش حول مستقبل الأقاليم الجنوبية، وهو ما يفرض على الأحزاب السياسية تقديم رؤى واضحة وملموسة. وقد أظهر حزب الاستقلال، من خلال نتائجه الانتخابية، أنه يمتلك قاعدة شعبية تمكنه من لعب دور رئيسي في هذه المرحلة.

خاتمة: نحو مرحلة جديدة من العمل السياسي والمؤسساتي

بناءً على ما سبق، يتضح أن حزب الاستقلال وانتخابات الصحراء المغربية قد أسفرا عن نتائج مهمة تعزز موقع الحزب في الأقاليم الجنوبية. لكن هذه النتائج تضع الحزب أمام مسؤولية مضاعفة، تتطلب تحويل الوعود الانتخابية إلى مبادرات تشريعية وترافعية وتنموية تستجيب لحاجيات المنطقة. ويبقى التحدي الأكبر هو ضمان استمرارية الحضور المؤسساتي والفعالية في التعامل مع الملفات التنموية والسياسية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية.

وللمزيد من الأخبار والتطورات حول هذا الموضوع، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.