تراجع التغطية Vaccinalة بالمغرب: جرس إنذار بعد عودة الدفتيريا والحصبة
لم يكن ظهور بؤر عائلية لمرض الدفتيريا في جهة سوس ماسة، ولا الانتشار الواسع لـالحصبة منذ شتنبر 2023، مجرد حوادث صحية عابرة. إنهما مؤشران صارخان على تراجع التغطية Vaccinalة بالمغرب في بعض المناطق والفئات، وهو تراجع لا يمكن اختزاله في ظاهرة رفض Vaccينات، بل يتشابك مع عوامل بنيوية واجتماعية أعمق. فبعد سنوات من النجاح في احتواء أمراض كانت فتاكة، يجد النظام الصحي نفسه أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على المكتسبات، واستعادة الثقة لدى أسر باتت أكثر قلقاً وتشككاً.
وحسب معطيات رسمية، فقد سُجلت وفيات بسبب الدفتيريا في سوس ماسة، بينما أعلنت سلطات الصحة عن حالة وفاة لفتاة في إقليم اليوسفية. هذه الأحداث تضع مسألة المناعة الجماعية في صلب النقاش العمومي، وتدفع إلى مراجعة شاملة لاستراتيجيات التلقيح والتواصل الصحي. ولمعالجة هذا الموضوع، استندنا إلى تحليل خبير في السياسات الصحية، مع إضافة سياق وبعد مقارن.
لماذا يعود شبح الأمراض التي هزمها التلقيح؟
يشرح الدكتور الطيب حمدي، الباحث في السياسات والأنظمة الصحية، أن هذه الأمراض “لم تختفِ فعلياً، بل تمت السيطرة عليها بفضل التلقيح”. فطالما أن نسبة عالية من السكان محصنة، فإن انتقال العامل الممرض يظل محدوداً. لكن عندما تتراكم فئات غير ملقحة أو متأخرة عن الجدول الزمني، تتشكل جيوب هشاشة تسمح بعودة الفيروسات والبكتيريا. وتُعدّ الحصبة، بسبب قدرتها الهائلة على الانتشار، من أوائل الأمراض التي تفضح أي خلل في التغطية. أما الدفتيريا، التي كانت شبه مندثرة لعقود، فعودتها تمثل إنذاراً جديداً بأن مكاسب الوقاية ليست أبدية.
وتكمن خطورة هذه الأمراض في مضاعفاتها: فالحصبة قد تسبب التهابات رئوية والتهاب الدماغ، والدفتيريا قد تؤدي إلى انسداد المسالك التنفسية والتهاب عضلة القلب، بينما يمكن للنكاف أن يسبب التهاب السحايا. والفئات الأكثر عرضة هم الأطفال غير الملقحين، لكن الخطر يتعداهم إلى من لا يمكن تطعيمهم لأسباب طبية، أو من لديهم استجابة مناعية ضعيفة.
ما وراء الأرقام الوطنية: تفاوتات مجالية خطيرة
يحذر الدكتور حمدي من قراءة معدلات التغطية الوطنية بشكل مطلق، لأن “الميكروبات لا تنظر إلى المعدلات الوطنية”. فمعدل وطني مرتفع قد يخفي تفاوتات كبيرة بين الجهات والعمالات والأحياء. وتشير دراسات وبائية إلى أن بعض الجماعات القروية أو الهامشية قد تسجل نسب تطعيم أقل بكثير من المتوسط. وتتضافر عدة أسباب: صعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية، بعد المراكز، انعدام وسائل النقل، بالإضافة إلى التأخر في مواعيد التلقيح بسبب أمراض بسيطة أو انشغالات عائلية.
وتُظهر تجارب دولية، مثل دول جنوب الصحراء، أن التحصين الفعال يتطلب ليس فقط توفر اللقاحات، بل أيضاً نظماً قوية للتتبع والرصد الوبائي. وفي المغرب، يظل التحدي الأكبر هو تحديد الأطفال غير الملقحين بدقة، وفهم الأسباب الحقيقية لتفويت الجرعات.
التردد Vaccinal: بين الخوف والإهمال
لا يمكن إنكار تأثير التردد Vaccinal على تراجع التغطية، لكنه ليس السبب الوحيد. فمنذ جائحة كوفيد-19، انتشرت معلومات مضللة حول سلامة اللقاحات، وانتقلت الشكوك من لقاحات كوفيد إلى اللقاحات الروتينية للأطفال. وتتعلق المخاوف الشائعة بآثار جانبية بعيدة المدى، أو ما يسمى “الحمل المناعي الزائد” عند إعطاء عدة لقاحات في وقت واحد، أو مكونات اللقاحات مثل المواد الحافظة.
ويشير الدكتور حمدي إلى أن “الأغلبية الساحقة من الأسر ما زالت متمسكة بالبرنامج الوطني للتحصين”، لكن هناك زيادة في الأسئلة والتردد المؤقت. فبعض الآباء يؤخرون التلقيح ليس رفضاً، بل خوفاً أو انشغالاً. وهنا تبرز أهمية التواصل العلمي المبسط والشفاف. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مزدوجاً: فهي تنشر الشائعات، لكنها قد تكون أيضاً أداة فعالة لنشر رسائل توعوية بسيطة ومرئية.
كيف نستعيد الثقة ونوسع التغطية؟
لإعادة بناء الثقة، يقترح الخبراء مجموعة من التدابير العملية:
- رسم خرائط دقيقة للتغطية Vaccinalة على مستوى الجماعات والمقاطعات لتحديد الجيوب.
- حملات تلقيح استدراكية تستهدف الأطفال المتأخرين، عبر الفرق المتنقلة والوحدات المدرسية.
- تعزيز دور مهنيي الصحة في تقديم نصائح مخصصة ومبنية على أدلة، مع تدريبهم على التواصل.
- تواصل حكومي مستمر لا يقتصر على فترات الأزمات، مع نشر البيانات بشكل شفاف.
- مكافحة المعلومات المضللة عبر منصات رقمية تفاعلية وبمشاركة مؤثرين موثوقين.
ويضيف الدكتور حمدي أن “نجاح التلقيح ليس مكتسباً نهائياً”، وأن الحفاظ عليه يتطلب يقظة دائمة. فالمفارقة أن الأمراض عندما تصبح نادرة، يقل إدراك الخطر، مما يفتح الباب لعودتها. ولذلك، يجب أن يظل التلقيح أولوية صحية وطنية، لا مجرد رد فعل على وباء.
وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام الصحي في تقديم محتوى موثوق ومبسط. ولمزيد من التحليلات الصحية والاجتماعية، يمكن متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
خلاصة: نحو استراتيجية وقائية شاملة
إن عودة الدفتيريا والحصبة ليست مجرد أزمة طارئة، بل دعوة لإصلاح عميق. فتراجع التغطية Vaccinalة بالمغرب يعكس تفاعل عوامل متعددة: اجتماعية، اقتصادية، وتواصلية. والحل يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين تحسين الولوج، وتعزيز الثقة، والرصد الوبائي الدقيق. فلا يمكن حماية المجتمع دون حماية كل طفل، ولا يمكن تحقيق المناعة الجماعية دون عدالة صحية مجالية. إنها معركة الوعي والاستمرارية، قبل أن تكون معركة لقاحات.
التعليقات (0)
اترك تعليقك