تقرير غوتيريش حول الصحراء المغربية: دلالات الاستفتاء والمجلس الانتقالي في مفاوضات الحكم الذاتي
أعاد التسريب الأخير لمسودة تقرير غوتيريش حول الصحراء المغربية إلى الواجهة النقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة في ملف الصحراء، خاصة مع اقتراب عرض التقرير على مجلس الأمن الدولي قبل نهاية ولاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر. وقد أثارت الإشارات الواردة في التقرير إلى الاستفتاء والمجلس الانتقالي تأويلات متباينة، بين من يرى فيها عودة إلى مقترحات سابقة، ومن يعتبرها امتداداً طبيعياً لمبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة منذ 2007. وفي هذا السياق، يبرز تحليل الخبراء لأهمية هذه الإشارات في ظل قرار مجلس الأمن 2797 الذي جعل المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات.
قراءة سياسية في تقرير غوتيريش حول الصحراء المغربية
يرى إبراهيم بلالي اسويح، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، أن التقرير يجب أن يُقرأ من زاوية سياسية بحتة، كونه يقدم مؤشرات مبكرة على مضمون قرار مجلس الأمن المقبل. ويشير إلى أن دلالة التقرير لا تقتصر على مضمونه العام، بل تمتد إلى طريقة صياغته والأولويات التي منحها للمسار السياسي ومواقف الأطراف. ويؤكد أن الفقرة السادسة من التقرير أعادت تثبيت الإطار التفاوضي القائم على مبادرة الحكم الذاتي، مما يعكس ارتباطاً مباشراً بين المبادرة والمسار الأممي.
ويضيف بلالي اسويح أن التقرير يتناول تفاصيل تطوير مبادرة الحكم الذاتي وإعداد مشروع نظام أساسي لها، وهو ما يعني أن المغرب لا يكتفي بإعادة طرح مبادرة 2007، بل يدخل بها إلى نقاش أكثر تفصيلاً حول المؤسسات والترتيبات. ويشير إلى أن الإشارة إلى مشروع اتفاق إطاري منفتح يمكن أن يشكل أساساً للتفاوض حول نموذج مفصل للحكم الذاتي، إلى جانب قضايا المجلس الانتقالي وضمانات التنفيذ وتقاسم الموارد والمصالحة والترتيبات الأمنية والنظم الانتخابية، تعكس انتقال النقاش إلى هندسة التسوية.
المجلس الانتقالي والاستفتاء: مقترحات مغربية منذ 2007
من جهته، يوضح عادل بنحمزة، أستاذ جامعي، أن ما أثير حول الاستفتاء والمجلس الانتقالي في تقرير غوتيريش لا يتعلق بمقترحات جديدة، بل هما من بين المقترحات التي قدمها المغرب منذ 2007 ضمن مبادرته للحكم الذاتي. ويستشهد بالفقرة 27 من المبادرة التي نصت على أن يكون النظام موضوع تفاوض، قبل طرحه على السكان المعنيين في استفتاء حر ضمن استشارة ديمقراطية، وفقاً للشرعية الدولية. كما تشير الفقرة 32 إلى مجلس انتقالي مكون من ممثلي الأطراف للإشراف على عودة السكان ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
ويؤكد بنحمزة أن حتى الملاحظة الواردة في الفقرة 10 من التقرير حول ضرورة استيفاء أي مقترح للحكم الذاتي لأعلى المعايير الدولية، لا تتناقض مع المبادرة المغربية، بل تندرج ضمن الإطار الذي أرساه قرار مجلس الأمن 2797. ويشدد على أن القراءة المتأنية للتقرير تكشف أن الأطراف انتقلت إلى مرحلة مناقشة تفاصيل التنفيذ، وليس العودة إلى نقطة الصفر.
الزخم الدولي ودور الولايات المتحدة في المفاوضات
يشير بلالي اسويح إلى أن التقرير يعكس زخماً دولياً متزايداً حول المسار، من خلال تسجيل مواقف دول دعمت المبادرة المغربية كحل واقعي، مثل السويد وسويسرا، وأخرى علقت اعترافها بالجمهورية الوهمية، مثل مالي وهندوراس وبوليفيا، إلى جانب دول دعمت السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، مثل مدغشقر وكندا واليابان. كما يبرز تحديث الاتحاد الأوروبي لموقفه الجماعي القائم على اعتبار المقترح المغربي أساساً للمفاوضات.
ويضيف أن الدور الأمريكي في تيسير المفاوضات يمثل عنصراً أساسياً في المرحلة الجديدة، التي تؤطرها مضامين قرار مجلس الأمن الداعية إلى مواجهة العقبات وتجاوز الجمود. وقد ترجمت جولات التفاوض الثلاث خلال يناير وفبراير من هذه السنة في واشنطن ومدريد هذا التوجه، إلى جانب اللقاءات المنفصلة مع الأطراف والفاعلين الإقليميين والدوليين.
تحليل مضمون التقرير: بين الاستفتاء وتقرير المصير
يؤكد الخبراء أن المغرب حسم عملياً تطابق مبادرته للحكم الذاتي مع شكل تقرير المصير الوارد في ديباجة المسودة التي قدمها إلى مجلس الأمن، مما يجعل موقفه واضحاً بشأن طبيعة الحل وهندسته. ويستمر تمسكه بالمبادرة كأرضية تفاوضية وليست حلاً نهائياً. وفيما يتعلق بالمجلس الانتقالي، يوضح بلالي اسويح أن طرحه لا ينبغي فصله عن التحول الذي عرفه مسار المفاوضات منذ القرار 2797، مؤكداً أنه لا يتعلق بمجلس أممي لإدارة الصحراء ولا باتفاق تم التوصل إليه، وإنما بفكرة يجري بحثها ضمن ترتيبات مرحلة انتقالية محتملة.
ويخلص إلى أن النقاش بات يتجه إلى كيفية تنظيم مرحلة تفاوضية وتنفيذية تقود إلى حل سياسي واقعي ودائم ومتوافق عليه، مع بقاء الإطار الذي تؤكد عليه الرباط واضحاً، والمتمثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.
الاستفتاء والمجلس الانتقالي في ضوء مبادرة الحكم الذاتي
يعود عادل بنحمزة ليؤكد أن استحضار الاستفتاء والمجلس الانتقالي، إلى جانب المعايير الدولية والضمانات والتشاور مع الشعب الصحراوي، لا ينبغي أن يفسر كعودة إلى مقترح تفاوضي جديد أو خروج عن المبادرة المغربية، ما دامت هذه العناصر واردة أصلاً في مقترح الحكم الذاتي الذي قدمته المملكة سنة 2007. ويشدد على أن القراءة الأوسع لمسودة تقرير غوتيريش تقود إلى أن هذه العناصر تندرج ضمن الإطار الذي أرساه قرار مجلس الأمن 2797، والذي جعل المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات، مما يعكس انتقال الأطراف إلى مرحلة تتصل بتفاصيل تنفيذ هذا الإطار، وليس العودة إلى نقطة الصفر في طبيعة الحل السياسي.
وفي هذا الإطار، يمكن الرجوع إلى الصحراء الغربية لفهم السياق التاريخي والقانوني للنزاع. كما يمكن متابعة المزيد من التحليلات على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
خاتمة: نحو حل سياسي واقعي
في المحصلة، يبدو أن تقرير غوتيريش حول الصحراء المغربية يعكس مرحلة جديدة من المفاوضات، تركز على تفاصيل الحل السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي. وبينما يثير ذكر الاستفتاء والمجلس الانتقالي جدلاً، فإن القراءة المتأنية تؤكد أنهما جزء من المبادرة المغربية منذ 2007، وليسا مقترحين جديدين. ويبقى الرهان على قدرة الأطراف على تجاوز العقبات وبناء الثقة للوصول إلى حل دائم ومتوافق عليه، في ظل دعم دولي متزايد للمقاربة المغربية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك