استثمارات صينية في قطاع الطيران المغربي: هانغيو تختار طنجة لإنشاء قاعدة صناعية كبرى
في خطوة تعزز مكانة المغرب كوجهة رائدة للاستثمارات الأجنبية في الصناعات المتقدمة، قررت مجموعة هانغيو تكنولوجي الصينية نقل مشروعها الضخم لإنتاج المكونات المطروقة من سلوفاكيا إلى مدينة طنجة. وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة استثمارات صينية في قطاع الطيران المغربي، مما يعكس الثقة المتزايدة في البيئة الاستثمارية المغربية وقدرتها على جذب المشاريع الصناعية ذات القيمة المضافة العالية.
جاء هذا القرار بعد اجتماع مجلس إدارة المجموعة في 8 أكتوبر 2026، حيث تم اختيار مدينة محمد السادس طنجة تيك لاحتضان هذه القاعدة الإنتاجية، باستثمار يصل إلى 105 ملايين يورو (ما يعادل حوالي 862 مليون يوان صيني). ويمثل هذا المشروع أول قاعدة صناعية كبيرة للمجموعة خارج الصين، مما يمنحه أهمية استراتيجية خاصة.
تفاصيل المشروع والطاقة الإنتاجية المتوقعة
على الرغم من أن المشروع لا يزال في مراحله التحضيرية، إلا أن ملفه السابق في سلوفاكيا يكشف عن حجمه المحتمل. فوفقاً للوثائق السابقة، كان من المقرر أن تصل الطاقة الإنتاجية إلى 80,000 قطعة مطروقة سنوياً، على مساحة تتجاوز 15 هكتاراً، مع توفير 335 فرصة عمل. ومع ذلك، لم تؤكد المجموعة بعد هذه الأرقام بالنسبة للموقع المغربي.
يُشار إلى أن المشروع السلوفاكي لم يصل إلى مرحلة البناء، لكن الشركة كانت قد أنشأت فرعاً محلياً وأكملت الإجراءات البيئية ووقعت وعداً بشراء أرض صناعية. هذا التراجع عن المشروع الأوروبي يعكس تحولاً في استراتيجية الشركة نحو الأسواق الناشئة.
الشركة المشغلة والهيكل التمويلي
سيتم تشغيل المشروع المغربي من قبل شركة مؤقتة تُدعى أطلس للمواد المتقدمة (Atlas Advanced Materials LLC)، والتي ستكون مملوكة بالكامل لفرع شركة سيتشوان ديلان هانغيو، التابعة بدورها للمجموعة المدرجة في بورصة شنغهاي. وفي إشعارها للمستثمرين، وصفت هانغيو المشروع المغربي بأنه قاعدة للحدادة تهدف إلى إنتاج مكونات للمعدات الصناعية، مع المباني والمنشآت اللازمة.
من الناحية المالية، تعتزم الشركة الأم ضخ 300 مليون يوان (حوالي 34.8% من الميزانية القصوى) في سيتشوان ديلان هانغيو، على أن تُدفع تدريجياً حسب احتياجات المشروع. أما تمويل الـ 562 مليون يوان المتبقية، فلم يتم تفصيله بعد، لكنه سيعتمد على مزيج من الموارد الذاتية والأموال التي سيتم جمعها. وتجدر الإشارة إلى أن السيولة النقدية للمجموعة بلغت 710.65 مليون يوان حتى يونيو 2026، بينما تبلغ التزاماتها 3.34 مليار يوان، مما يجعل تكلفة المشروع المغربي تمثل حوالي 121% من السيولة المتاحة.
القطاعات المستهدفة: الطيران والطاقة
تتخصص هانغيو في تحويل المعادن صعبة التشكيل مثل السبائك الفائقة القائمة على النيكل والتيتانيوم والألمنيوم والصلب الخاص. وتنتج المجموعة حلقات مطروقة بدون لحام ومكونات معقدة تستخدم في الضواغط وغرف الاحتراق والتوربينات. هذه المكونات حيوية في محركات الطائرات والتوربينات الغازية والمعدات الصناعية التي تتطلب مقاومة عالية للحرارة والضغط.
كان المشروع السلوفاكي يهدف إلى إنتاج قطع مطروقة دقيقة ومكونات مطروقة مشغولة، خاصة لصناعات الطيران والطاقة، مع مركز تكنولوجي للبحث والتطوير والاختبارات. وفي خطتها الاستراتيجية، أشارت هانغيو إلى أن هذه القاعدة الأجنبية ستعزز قربها من عملائها الأوروبيين مثل GE Aerospace وPratt & Whitney وSafran وRolls-Royce. ومع ذلك، لا توجد وثائق تؤكد حتى الآن أن هؤلاء المصنعين سيتم تزويدهم مباشرة من طنجة، حيث تخضع الشهادات والموافقات الصناعية لعمليات تأهيل دقيقة لكل موقع على حدة.
الأسباب الكامنة وراء نقل المشروع
تبرر هانغيو قرارها بمغادرة سلوفاكيا بإضافة ضوابط إدارية أثناء سير الإجراءات، مما أدى إلى إطالة الجدول الزمني وجعله غير قابل للتحكم. وتؤكد الشركة أنها حصلت من السلطات المغربية على ضمانات بعدم وجود إجراءات إدارية إضافية مماثلة، وأن الشروط الرئيسية لمواكبة المشروع متوفرة. لكنها لم تحدد هوية الجهات التي تم استشارتها ولا طبيعة الالتزامات التي تلقتها.
من جهة أخرى، يثير الانسحاب من سلوفاكيا تساؤلات، خاصة أن المشروع كان قد حصل على وعد بشراء الأرض وتقدم في الإجراءات البيئية، بل إن الإدارة السلوفاكية قررت في أغسطس 2026 أن تقييماً بيئياً كاملاً ليس ضرورياً. ومع ذلك، كان البيع النهائي للأرض لا يزال معلقاً على عدة شروط، منها قرار وزارة الاقتصاد السلوفاكية بشأن منح مساعدة استثمارية. ولا تتوفر وثائق عامة توضح ما إذا كان الضابط الإضافي الذي أشارت إليه هانغيو يتعلق بهذه المساعدة أو بتصفية الاستثمارات الأجنبية أو اعتبارات أمنية أخرى.
الوضع الحالي في طنجة والآفاق المستقبلية
على الرغم من قرار مجلس الإدارة والضخ المالي المرتقب، لم يدخل المشروع المغربي مرحلة التنفيذ الفعلي بعد. وتعترف هانغيو بأنها وقعت فقط اتفاق نوايا بشأن الأرض، دون عقد شراء نهائي، ولا تزال المساحة غير محددة. كما أن شركة أطلس للمواد المتقدمة لم تُسجل بعد، والموافقات الصينية المتعلقة بالاستثمار الخارجي لا تزال مطلوبة، إلى جانب الإجراءات المغربية للبناء والتشغيل.
ومع ذلك، تُعد مدينة محمد السادس طنجة تيك بيئة مثالية لاستراتيجية الشركة، حيث استقطبت في 2025 أحد عشر مشروعاً صناعياً صينياً بقيمة 12.22 مليار درهم و3882 فرصة عمل، خاصة في مجالات المواد المتقدمة والمعادن ومكونات السيارات. وإذا ما استحوذ المغرب فعلاً على أنشطة الحدادة والمعالجة الحرارية والتشغيل والاختبارات المخطط لها في سلوفاكيا، فإن هذا الاستثمار قد يضيف حلقة جديدة في سلسلة صناعة الطيران الوطنية، التي تستضيف بالفعل عمليات تشغيل وتجميع وصيانة المحركات، لكنها لا تنتج بعد حلقات الطيران من السبائك الفائقة بهذا الحجم.
ويبقى السؤال المطروح: هل سترث طنجة فقط الغلاف المالي للمشروع السلوفاكي أم أيضاً برنامجه الصناعي الكامل بـ 80,000 قطعة سنوياً وستة خطوط إنتاج رئيسية ومركز تكنولوجي و335 وظيفة؟ الإجابة ستتضح مع الإعلانات الرسمية المقبلة.
للمزيد من التحليلات الاقتصادية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك