عاجل

البرلمان المغربي الجديد وتحديات التشريع: ملفات الأسرة والجنائي والحريات في مواجهة اختبار التوافق

البرلمان المغربي الجديد وتحديات التشريع: ملفات الأسرة والجنائي والحريات في مواجهة اختبار التوافق

البرلمان المغربي الجديد وتحديات التشريع: بين طموح الإصلاح ورهانات التوافق

مع انطلاق الدورة التشريعية الأولى من الولاية البرلمانية الجديدة، يجد البرلمان المغربي الجديد وتحديات التشريع نفسه أمام اختبار حقيقي لقدرته على تجاوز الإرث الثقيل للملفات المؤجلة، وفي مقدمتها إصلاح المنظومة الجنائية، ومراجعة مدونة الأسرة، وتقنين الفضاء الرقمي. هذه الملفات ليست مجرد نصوص قانونية عابرة، بل هي قضايا مجتمعية عميقة تلامس حياة المواطنين اليومية، وتختبر مدى التزام المؤسسة التشريعية بتحويل الوعود الانتخابية إلى واقع ملموس.

في هذا السياق، يبرز سؤال محوري: هل سينجح البرلمان في ترتيب أولوياته وفق منطق التوافق الوطني، أم ستعود قضايا الأسرة والحريات الفردية والفضاء الرقمي إلى واجهة الاستقطاب الحاد؟ الإجابة تتوقف على قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز الحسابات الضيقة، وعلى مدى استعدادهم للانخراط في حوار بناء يضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار.

القانون الجنائي: مشروع تعديل يثير الجدل حول حرية التعبير

يُعد مشروع تعديل القانون الجنائي من أكثر النصوص إثارة للجدل في الأجندة التشريعية الحالية. فبعد سنوات من النقاش، وصل النص إلى مراحل متقدمة، لكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة قبل إحالته على البرلمان. يتضمن المشروع مقتضيات حساسة تهدف إلى تنظيم التواصل الاجتماعي وتقنين الفضاء الرقمي، بهدف الحد من الجرائم الإلكترونية، خاصة تلك المتعلقة بالتشهير وانتهاك الخصوصية.

من أبرز ما يشد الانتباه في هذا المشروع هو منح الأشخاص الذين يتم تصويرهم دون موافقتهم حق المطالبة بالتعويض، وتشديد العقوبات على مروجي الأخبار الزائفة. هذه المقتضيات تفتح نقاشاً واسعاً حول الحدود بين حماية الكرامة والحياة الخاصة وضمان حرية التعبير، وهو توازن دقيق يتطلب مقاربة تشريعية محكمة.

ويؤكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن النص “وصل إلى منتهى النقاش”، ولم يبق سوى إحالته على الأمانة العامة للحكومة ثم البرلمان. لكن المسار التشريعي لهذا المشروع لم يكن سهلاً، إذ سبق أن سحبته الحكومة من البرلمان، وأُجريت عليه 52 قراءة، مما يعكس حجم الخلافات حوله. ويبقى السؤال: هل سينجح البرلمان الجديد في تجاوز هذه العقبات وإخراج نص متوازن يحمي الحقوق والحريات؟

مدونة الأسرة: إصلاحات جوهرية تنتظر المصادقة

على الرغم من أن مدونة الأسرة لم تدخل بعد مسار البرلمان، إلا أنها بلغت مرحلة متقدمة من الإعداد. فقد قدمت الهيئة المكلفة بالمراجعة 139 مقترح تعديل شملت الكتب السبعة، وأعلنت الحكومة في يناير الماضي تشكيل لجنة للصياغة تضم قطاعات وزارية والأمانة العامة للحكومة.

تشمل أبرز المقتضيات المطروحة تحديد سن الزواج في 18 سنة، مع استثناء مؤطر عند بلوغ 17 عاماً، وجعل النيابة القانونية حقاً مشتركاً بين الزوجين، مع العمل على تقليص أمد البت في الطلاق إلى ستة أشهر. هذه الإصلاحات تهدف إلى تعزيز مكانة المرأة وحماية حقوق الطفل، لكنها تواجه مقاومة من بعض التيارات المحافظة التي ترى فيها مساساً بالقيم الأسرية.

ويشير وهبي إلى أن النص أخذ حقه من النقاش مع المجلس العلمي ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مما يعكس حرص الحكومة على تحقيق توافق واسع حول هذا الملف الحساس. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان تطبيق هذه النصوص على أرض الواقع، وتجاوز العقبات الثقافية والاجتماعية التي قد تعترض طريقها.

ملفات اقتصادية واجتماعية: الالتزامات والتجارة في انتظار التشريع

لا تقتصر الأجندة التشريعية على الملفات الحقوقية، بل تمتد لتشمل قوانين اقتصادية واجتماعية ذات تأثير مباشر على حياة المواطنين. فبالإضافة إلى تعديل قانون الالتزامات والعقود، وجزء من مدونة التجارة، وإعادة النظر في الشراء التجاري للقروض، هناك أيضاً قانون التوثيق ومشروع “البنك الوطني للبصمات الجينية”.

وقد صادق مجلس النواب في يناير 2026 على مشروع القانون 71.24 المعدل لمدونة التجارة، المتصل بالشيك بدون مؤونة، مما يشير إلى أن الدورة التشريعية الحالية ستشهد مناقشة مقتضيات أخرى. هذه القوانين، رغم أهميتها، تبقى أقل إثارة للجدل مقارنة بالملفات الحقوقية، لكنها تشكل ركيزة أساسية لتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات.

المهن القضائية: نصوص تطبيقية تنتظر الإنجاز

تنتظر المهن القضائية نصوصاً تطبيقية لقانون المحاماة 66.23، ولمهنتي العدول والخبراء القضائيين. وتزيد حساسية هذا الملف بسبب الإضرابات المتواصلة لجمعية هيئات المحامين منذ منتصف يونيو الماضي، مما يضع ضغطاً إضافياً على البرلمان والحكومة للتعجيل بإصدار هذه النصوص.

هذه الإضرابات تعكس استياءً عميقاً لدى المحامين من بعض مقتضيات القانون الجديد، خاصة تلك المتعلقة بتنظيم المهنة وتحديد اختصاصاتها. ومن شأن استمرار هذا الوضع أن يؤثر سلباً على سير العدالة ويقوض ثقة المواطنين في المنظومة القضائية.

التحديات السياسية: بين أغلبية تبحث عن التموقع ومعارضة تنتظر الفرصة

سيُختبر هذا الجرد التشريعي في برلمان تقوده أغلبية يُرتقب أن يتصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، ومعارضة اختار فيها حزب العدالة والتنمية التموقع، فيما تدافع قوى “تحالف اليسار” عن المساواة الفعلية ومناهضة التمييز. هذا التوزيع السياسي يفرض على الحكومة الجديدة البحث عن توافقات واسعة لتمرير النصوص الخلافية، وهو ما قد يستغرق وقتاً طويلاً ويؤخر معالجة الملفات الملحة.

وفي هذا الإطار، يبرز دور المجتمع المدني والصحافة في مراقبة أداء البرلمان والضغط من أجل تسريع وتيرة التشريع. فالمطلوب ليس فقط إصدار قوانين جديدة، بل ضمان جودتها وفعاليتها في معالجة المشاكل الحقيقية للمواطنين.

خاتمة: نحو برلمان منتج أم مسرح للاستقطاب؟

إن نجاح البرلمان المغربي الجديد وتحديات التشريع في تجاوز هذه المرحلة الحساسة يتوقف على قدرة الفاعلين السياسيين على تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة. فالمواطن المغربي ينتظر إصلاحات ملموسة تمس حياته اليومية، وليس مجرد خطابات وشعارات. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي هو تحويل البرلمان إلى فضاء للنقاش الجاد والمنتج، بعيداً عن المسرحيات السياسية التي لا تقدم ولا تؤخر.

وللاطلاع على مزيد من التحليلات والأخبار السياسية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، الذي يواكب تطورات المشهد التشريعي في المغرب. كما يمكنكم الرجوع إلى صفحة البرلمان المغربي على ويكيبيديا لمزيد من المعلومات حول تركيبته ومهامه.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.