أزمة الجزائر مع المغرب: عندما تتحول الرواية الأمنية إلى أداة سياسية
في تطور جديد يعكس تعقيد أزمة الجزائر مع المغرب، أعلنت السلطات الجزائرية يوم الأحد 11 أكتوبر عن تفكيك ما وصفته بـ”شبكة إجرامية دولية” مكونة من 61 مواطناً مغربياً، متهمين بالتخطيط لأعمال تمس الأمن العام. هذه الخطوة، التي جاءت عبر التلفزيون الرسمي نقلاً عن المديرية العامة للأمن الوطني، أثارت موجة من التساؤلات حول دوافعها الحقيقية وتوقيتها، خاصة في ظل تصاعد التوترات الداخلية في الجزائر.
الرواية الرسمية تشير إلى أن المشتبه بهم دخلوا التراب الجزائري بعد هبوطهم في مطار تونس قرطاج، ثم سلكوا مسارات جبلية وعرة في منطقة القالة بولاية الطارف، قبل أن يتوجهوا براً إلى ولاية وهران غرباً. كما تم حجز جوازات سفر مغربية ومبالغ بالدرهم المغربي واليورو، وعرضهم على النيابة العامة المختصة. لكن هذه التفاصيل، بحسب مراقبين، تثير أكثر من علامة استفهام حول مدى منطقيتها وتماسكها.
خلفيات أزمة الجزائر مع المغرب: لماذا تتكرر الاتهامات؟
تأتي هذه الحادثة في سياق متوتر تعيشه العلاقات الجزائرية المغربية منذ سنوات، حيث سبق للجزائر أن وجهت اتهامات مماثلة للمغرب بالضلوع في حرائق كابيليا وقضايا تهريب المخدرات. ويبدو أن النظام الجزائري يعتمد بشكل متزايد على “البطاقة المغربية” كأداة لتصدير الأزمات الداخلية، خاصة عندما تشتد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. فمع ارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية، يجد النظام نفسه مضطراً لخلق عدو خارجي لتشتيت انتباه الرأي العام.
ويؤكد المحللون أن توقيت الإعلان عن هذه القضية ليس عشوائياً، إذ يتزامن مع اقتراب اجتماع مجلس الأمن الدولي لمناقشة قضية الصحراء، ومع تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية في عدة مدن جزائرية. وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الرواية الأمنية ليست سوى غطاء سياسي لتحقيق أهداف داخلية وخارجية.
تناقضات الرواية الأمنية: قراءة في التفاصيل
عند التدقيق في المعطيات التي قدمتها السلطات الجزائرية، تبرز جملة من التناقضات الصارخة. فمن غير المنطقي أن يتمكن 61 شخصاً من عبور الحدود التونسية الجزائرية، التي توصف بأنها شديدة التحصين، ثم التنقل عبر عدة ولايات دون أن توقفهم نقاط التفتيش المنتشرة. وإذا صح هذا السيناريو، فإنه يكشف عن خلل أمني كبير في المنظومة الجزائرية، وليس عن نجاح أمني كما يُروج.
كما أن تقديم مبالغ بالدرهم المغربي وجوازات سفر وهواتف محمولة كـ”أدلة جنائية” يبدو مسرحية هزلية، فالدرهم المغربي عملة رسمية يستخدمها أي مواطن مغربي، والهواتف المحمولة ضرورة يومية. هذا التضخيم للأدلة العادية يشي بمحاولة يائسة لتصنيع تهديد وهمي.
- التناقض الجغرافي: المسار المزعوم من تونس إلى وهران يمر عبر مناطق شديدة المراقبة، مما يجعل نجاحه مستبعداً دون تواطؤ أمني.
- التناقض الزمني: توقيت الإعلان يتزامن مع أزمات داخلية ودبلوماسية، مما يثير الشك في الدوافع.
- التناقض القانوني: تقديم أدلة عادية كأدلة إدانة يضعف المصداقية القانونية للقضية.
تحليل سياسي: هل تستخدم الجزائر قضية المغرب كصمام أمان؟
يرى المراقبون أن النظام الجزائري يتبع استراتيجية ممنهجة لتصدير أزماته الداخلية عبر افتعال أزمات مع المغرب. ويشير الناشط السياسي الجزائري شوقي بن زهرة، في تصريح خاص، إلى أن “الإعلان عن تفكيك شبكة من 61 مغربياً يأتي في إطار سيناريو متكرر يهدف إلى التغطية على الأزمات المتراكمة”. ويضيف أن “المبالغة في عدد الموقوفين تهدف إلى استفزاز السلطات المغربية لدفعها للرد، مما يغذي الدعاية الإعلامية”.
ويشدد بن زهرة على أن “هذه القضية تتزامن مع أزمة اجتماعية حادة وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، بالإضافة إلى تراجع الدبلوماسية الجزائرية في ملف الصحراء”. ويرى أن “النظام يستخدم المغرب كصمام تنفيس كلما اشتدت الضغوط، وهو أسلوب مكشوف”.
وفي هذا السياق، يمكن فهم هذه التحركات على أنها محاولة لتعزيز التماسك الداخلي عبر خلق عدو خارجي، وتأجيل المطالب الشعبية بالحرية والكرامة. لكن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تزيد من عزلة الجزائر وتعمق أزماتها الاقتصادية.
الآثار المحتملة على العلاقات الثنائية والمشهد الإقليمي
من المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، خاصة بعد قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب عام 2021 وإغلاق الحدود البرية. كما قد تدفع هذه الأزمة إلى تصعيد الخطاب الإعلامي وتضييق الخناق على المغاربة المقيمين في الجزائر أو العابرين منها.
على الصعيد الإقليمي، قد تستغل أطراف دولية هذه التوترات لتعزيز نفوذها في منطقة المغرب الكبير، مما يزيد من تعقيد المشهد. ومن ناحية أخرى، قد تدفع هذه الأزمة المغرب إلى تعزيز تحالفاته الإقليمية والدولية، خاصة مع القوى الكبرى الداعمة لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء.
في المحصلة، تبدو أزمة الجزائر مع المغرب وكأنها حلقة جديدة في مسلسل طويل من التوترات المفتعلة، التي لا تخدم مصالح الشعبين الشقيقين. وبدلاً من مواجهة التحديات الداخلية، يبدو أن النظام الجزائري يختار الهروب إلى الأمام عبر افتعال أزمات خارجية. ولمزيد من التحليلات حول تطورات العلاقات المغربية الجزائرية، يمكن متابعة موقع الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
وللاطلاع على خلفيات الصراع الإقليمي، يمكن الرجوع إلى الصراع المغربي الجزائري على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك