التنشئة الخوارزمية وأثرها على العنف في الفضاء العام: قراءة في حادثة طنجة
شهدت مدينة طنجة مؤخراً حادثة مأساوية هزّت الرأي العام، بعدما أقدم شاب يقود سيارة على صدم شاب آخر كان على متن دراجة نارية، إثر مشادة كلامية، ليفارق الضحية الحياة لاحقاً. هذه الواقعة، التي ليست الأولى من نوعها، تفتح النقاش مجدداً حول التنشئة الخوارزمية وأثرها على العنف في الفضاء العام، ودور التحولات الرقمية في تشكيل سلوكات الأفراد وعلاقاتهم.
لم يعد العنف في الشارع المغربي مجرد حادث عرضي، بل أصبح ظاهرة تستدعي الوقوف عند أسبابها العميقة، خاصة مع تراجع آليات الضبط التقليدية وصعود تأثير المنصات الرقمية. فما الذي يجعل خلافاً بسيطاً يتحول إلى جريمة قتل؟ وهل للخوارزميات يد في ذلك؟
من التنشئة الأسرية إلى التنشئة الخوارزمية: تحول في نماذج التنشئة
في تحليله للحادثة، يرى الباحث في علم النفس الاجتماعي مصطفى شكدالي أن ما جرى يندرج ضمن السلوك العدواني الذي يتشكل عبر تفاعل عوامل نفسية واجتماعية وقيمية. ويشير إلى أن مؤسسات التنشئة التقليدية (الأسرة والمدرسة) كانت تضطلع بدور محوري في ضبط السلوك وتوجيه القيم، لكن اليوم أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات تشارك بقوة في بناء التصورات والهويات، مما أدى إلى ما يسميه “التنشئة الخوارزمية”.
ويوضح شكدالي، مؤلف كتاب “سيكولوجيا الإنسان المرقمن”، أن هذه التنشئة الجديدة قد تضعف حضور الضوابط الأخلاقية، مستشهداً بمفهوم “الأنا الأعلى” في التحليل النفسي، الذي يستبطن القواعد الاجتماعية. فغياب “مبدأ الواقع” والضغوط الاجتماعية والنفسية يضعف قدرة الفرد على ضبط ردود أفعاله، خاصة في غياب روابط اجتماعية كابحة للعدوان.
العنف في الفضاء العام: بين الضغوط الاجتماعية وتراجع القيم
من زاوية سوسيولوجية، يؤكد الأكاديمي أحمد شراك أن مظاهر الخروج عن القانون ليست مستجدة، لكنها تتطلب “تنشئة سياسية ومدنية واسعة النطاق” لترسيخ احترام الآخر وحرياته. ويشدد على أن الديمقراطية لا تقتصر على المؤسسات والقوانين، بل تمتد إلى سلوكات الأفراد وأخلاقياتهم في مختلف الفئات والبيئات الثقافية.
ويضيف شراك أن الأمن المطلوب لا يقتصر على تدخل الأجهزة الأمنية، بل يشمل الأمن النفسي والاجتماعي، فمهما بلغت كفاءة الأجهزة فلا يمكنها مراقبة الجميع في كل زمان ومكان، ما لم يراقب المواطن ضميره المدني والاجتماعي. ويدعو إلى تقوية المجتمع المدني وتوسيع أدواره في نشر قيم المواطنة والسلوك المدني، باعتبار التربية على احترام الفضاء العام مسؤولية جماعية.
كيف تسهم الخوارزميات في تفكيك الروابط الاجتماعية؟
يشرح شكدالي أن بعض الروابط الاجتماعية كانت تؤدي وظيفة كابحة للسلوكات العدوانية، حتى في حالات الخلاف، فتحول دون انتقالها إلى إيذاء جسيم. لكن مع تراجع هذه الروابط لفائدة أنماط جديدة تتشكل داخل الفضاءات الرقمية، يجد العدوان “مرتعاً خصبا” في التنشئة الخوارزمية التي تضعف الضوابط الأخلاقية.
ويضرب الباحث مثالاً على ذلك بالشباب الذين يبحثون عن نماذج يقتدون بها خارج العالم الرقمي، فيجدون بدائل افتراضية قد لا تحمل نفس القيم الأخلاقية. وهذا ما يفسر تحول مشادات بسيطة إلى اعتداءات مميتة، كما في حادثة طنجة.
نحو استراتيجية وطنية لمواجهة العنف في الفضاء العام
بناءً على هذه التحليلات، يبدو أن مواجهة العنف في الفضاء العام تتطلب مقاربة شمولية تجمع بين:
- تعزيز التنشئة الأسرية والمدرسية على قيم التسامح واحترام الآخر.
- تنظيم الفضاء الرقمي وتوعية الشباب بمخاطر المحتوى العنيف.
- تفعيل دور المجتمع المدني في نشر ثقافة المواطنة والسلوك المدني.
- دعم الأمن النفسي والاجتماعي عبر سياسات عمومية تراعي الضغوط الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يمكن الاطلاع على مفهوم التنشئة الاجتماعية لفهم أعمق للتحولات التي تمر بها.
كما يمكن متابعة المزيد من التحليلات والأخبار على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
خاتمة: نحو وعي جمعي بخطورة التنشئة الخوارزمية
إن حادثة طنجة ليست مجرد حادث سير، بل جرس إنذار يكشف عن تحولات عميقة في أنماط التنشئة والعلاقات الاجتماعية. فالتنشئة الخوارزمية، رغم إيجابياتها، تحمل في طياتها مخاطر تفكيك الضوابط الأخلاقية إذا لم تُوازن بتنشئة مدنية وسياسية قوية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وعي جمعي بخطورة هذه التحولات، والعمل على بناء فضاء عام يسوده الاحترام والتسامح، بعيداً عن العنف بكل أشكاله.
التعليقات (0)
اترك تعليقك