يُعدّ الإسهام الفكري في توثيق الحركات الاجتماعية والنقابية ركيزة أساسية لفهم تطور المجتمعات ورصد مسارات التحول فيها. في هذا السياق، يأتي **كتاب شعيب حليفي الاختيار الاجتماعي** ليقدم إضافة نوعية للمكتبة المغربية، متناولاً سيرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ومعاركها الاجتماعية التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المغرب الحديث. هذا المؤلّف ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو تحليل عميق لدينامية منظمة نقابية وُجدت كضرورة تاريخية لمعالجة قضايا جوهرية كشفت عن إخفاقات السياسة الرسمية وبؤر الانحراف واليأس.
سيرة الكونفدرالية: أربع قضايا محورية في قلب «الاختيار الاجتماعي»
يتعمق حليفي في تقديمه للكتاب، موضحاً أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في مسيرتها الطويلة، ركزت اهتمامها على أربع قضايا كبرى متفاعلة ومنتجة، شكلت بوصلة نضالها ومحركاً لعملها. هذه القضايا الأساسية هي:
- القضية الوطنية ووحدتنا الترابية: التأكيد على ثوابت الأمة والذود عن سيادتها.
- القضايا القومية العربية: مواجهة الإمبريالية والأطماع المتزايدة في السياق الإقليمي والدولي.
- التنمية الاجتماعية والاقتصادية: معالجة آثار الأزمات الاقتصادية وانعكاساتها على الطبقة العاملة والمجتمع ككل.
- محنة الحريات وحقوق الإنسان والاختيار الديمقراطي: الدفاع عن القيم الديمقراطية وترسيخ مبادئ العدالة والكرامة.
وقد خاضت المنظمة النقابية معارك عديدة عبر محطات تاريخية فارقة، جنَت من خلالها نتائج ملموسة عادت بالنفع على الطبقة العاملة المغربية. من بين هذه المكتسبات، يبرز إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ودفع تجربة التناوب الحكومي، والتصريح المشترك، مروراً بالاتفاقات والبروتوكولات، وصولاً إلى مدونة الشغل ومكاسب أخرى أسست لبيئة عمل أكثر إنصافاً.
من التأريخ إلى الالتقاط: رؤية حليفي لـ«الصراع التاريخي»
يُشدد الكاتب والروائي والناقد شعيب حليفي على أن الهدف من مؤلّفه لم يكن مجرد تأريخ كلاسيكي للمنظمة النقابية، بل كان بمثابة عمل تخييلي يستلهم الدينامية الاجتماعية للكونفدرالية وما شيدته من أحداث وحركات وحوارات. هو محاولة لالتقاط بعض الأثر والضوء من أرشيف ضخم يعكس جزءاً مهماً من تاريخ المغرب والمغاربة، ويقدم نموذجاً لمنظمة نقابية رائدة صنعت تاريخاً جديداً وأصبحت مثلاً يحتذى به عالمياً.
إن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بخطابها ودينامية فعلها، حفرت طريقاً واضحاً مليئاً بالصراع والانتصار، مخلّفةً حركية ورجّات عنيفة في المجتمع المغربي. هذه المراحل، وإن تباينت في عمقها، يمكن قراءتها وتصنيفها لفهم العديد من أسبابها وآثارها. ويعتبر حليفي أن الوقوف إلى جانب الشعب المغربي وطبقته العاملة هو موقف موضوعي لإثبات مسيرة منظمة نقابية سعت جهات حكومية “ومتواطئة” على مدى سنوات طويلة إلى اجتثاثها وطمس حركاتها الفاعلة، دون أن تتمكن من ذلك.
الكونفدرالية: مدرسة قيم ومعارك مستمرة
يرى الباحث أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تتجاوز كونها مجرد منظمة، لتكون مدرسة في مجال القيم العالية، والصراع، والوقوف إلى جانب الحرية والكرامة والحق. بل إن كل كونفدرالي خَبِر العمل النقابي والاجتماعي يُعتبر “مدرسة متنقلة” بحد ذاته. وسيرتها هي في الأساس مجموع سير الطبقة العاملة المخلصة للمجتمع وللأفق النضالي، بأرشيفها الغني بالأحداث والمواقف.
يشعر حليفي وهو يدون هذا الكتاب، أنه يفعل ذلك “بملايين السواعد والأحاسيس”، مقدماً ما يكتبه كشهادة جماعية عن مرحلة معقدة طبعت المصير الجماعي للمغاربة، في ملحمة مستمرة من النضال من أجل مجتمع جديد وأفضل. هذا الإحساس العميق يجسد الارتباط الوجداني للكاتب بموضوعه، ويجعل من كل كلمة صدى لتجارب جماعية.
شهادة محمد عطيف: «كتاب مفيد» يغني الخزانة المغربية
في كلمة تقديمية قيمة، وصف الكاتب محمد عطيف **كتاب شعيب حليفي الاختيار الاجتماعي** بأنه “من الكتب المفيدة التي ستغني دون شك الخزانة المغربية في مجال لا يزال يشكو نقصاً كبيراً”. ويشير عطيف إلى أن هذا المجال هو الوضع الاجتماعي في بلادنا والدور المحوري الذي قامت به الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على مدى أكثر من ربع قرن. لقد دافعت المنظمة عن قضايا ومطالب وكرامة الشعب المغربي عامة، والطبقة العاملة خاصة، مقدمة تضحيات جمة ومحققة مكتسبات لا يمكن إنكارها.
وأبرز عطيف أن أهمية هذا الكتاب، رغم قلة صفحاته وغناه بالمعلومات والتواريخ، تكمن في استعراضه بأسلوب شيق وسلس لمسيرة الكونفدرالية المليئة بالنضالات والتضحيات، والأحداث التي صنعتها أو ساهمت في صنعها، والتي غيرت الكثير من السياسات والقرارات التي كانت ستزيد الوضع الاجتماعي تأزماً. كما نوه إلى أن المنظمة العمالية، التي أسالت الكثير من المداد، كانت في غالب الأحيان هدفاً لأقلام مأجورة سعت لخنق صوتها وشل حركتها دون جدوى، مما يزيد من قيمة هذا العمل المتجرد والنزيه.
وفي ختام تقديمه، يدعو عطيف إلى أن يكون هذا الكتاب حافزاً لباقي الأساتذة والباحثين للكتابة في هذا الموضوع بحيادية ونزاهة، مستفيدين من شفافية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في توثيق نشاطها العام ومواقفها. هذا العمل هو دعوة لتعميق البحث في تاريخ الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب وحاضر العمل النقابي بالمغرب، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك