عاجل

الأنا وظلاله: عبد اللطيف الوراري يفكك آليات تحليل السيرة الذاتية في الشعر العربي المعاصر

الأنا وظلاله: عبد اللطيف الوراري يفكك آليات تحليل السيرة الذاتية في الشعر العربي المعاصر

في سعي دائم لإثراء المكتبة النقدية العربية، يطل علينا الناقد المغربي المرموق عبد اللطيف الوراري بإصدار جديد يضيء جانباً مهماً من المشهد الشعري الحديث. يأتي كتابه المعنون “الأنا وظلاله: السيرذاتي وآليّات اشتغاله في الشعر العربي” ليقدم قراءة متعمقة وجديدة في مفهوم تحليل السيرة الذاتية في الشعر العربي المعاصر، متجاوزاً بذلك المقاربات التقليدية ليضع أسساً منهجية مبتكرة.

عبد اللطيف الوراري: رؤية منهجية في تحليل السيرة الذاتية في الشعر

يتعمق الوراري في هذا العمل النقدي الصادر عن منشورات عالم الكتب الحديث بالأردن، في تجليات السيرذاتي ضمن القصيدة العربية الحديثة والمعاصرة. لا يكتفي الكتاب بتتبع حضور الأنا الشاعرة كمرجع مباشر لسيرة حياة، بل يذهب أبعد من ذلك ليُظهر كيف تتحول هذه السيرة من مجرد وثيقة حياتية إلى فضاء رحب للتخييل الشعري. إنه يقدم تفكيكاً دقيقاً للآليات التي تعمل بها هذه الذاتية في بنية النص الشعري، وكيف تنزاح عن مجرد الشرط المرجعي لتستحضر عوالم أعمق وأكثر تعقيداً.

يستعرض الكتاب أعمالاً شعرية لمحاور أساسية في المشهد الشعري، من المشرق إلى المغرب، بمن فيهم عمالقة مثل بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وسعدي يوسف، ومحمود درويش، وأدونيس، ووديع سعادة وغيرهم. هذه الدراسة الشاملة تمكن الوراري من تبيان التطور الدلالي والتقني للمشروع السيرذاتي، مع تسليط الضوء على الخصائص التي تميزه وفقاً لطبيعة الخطاب الشعري لكل شاعر وبنية نصه الكتابية.

السيرذاتي بين الواقع والخيال: الأنا وظلاله

ينظر الوراري إلى السيرة الذاتية في الشعر ليس كخطاب مرجعي محض يبني وقائع فحسب، بل كطريقة نوعية لتخييل سيرة الأنا من خلال الإمكانات التصويرية والتلفظية الفريدة التي تتيحها البنية الشعرية. من القصيدة الفردية إلى المجموعة الكاملة، يتمرأى الأنا السيرذاتي عبر ضمائره الشخصية، ويظل مشدوداً إلى الآخر، الذي يسهم في ابتكار هويته بقدر ما يخيّل ذاته.

يكمن الجوهر في بعد تخييلي لبناء الهوية السيرذاتية؛ فالشاعر لا يهتم بما عاشه وعاناه فقط، بل بما تبقى وما ينتمي إلى عالم المنسي والمكبوت، والأحلام التي لم تتحقق. هنا، يلجأ الشاعر إلى توطين هذه العوالم النصية، بما فيها من تهويمات وإسقاطات وأحلام وهواجس، لتشكل جزءاً أصيلاً من بشريته وهشاشته الصارخة. وهذا ما يطلق عليه الوراري ببراعة “الأنا وظلاله”، ليعكس التفاعل المعقد بين الذات الواعية والجوانب الخفية اللاواعية التي تتجلى في العمل الشعري.

المقاربة المنهجية للوراري: بعدان أساسيان

يؤسس عبد اللطيف الوراري بحثه في السيرذاتي داخل الخطاب الشعري على اعتبارين رئيسين، يمثلان ركيزة أساسية لفهمه العميق لهذا المفهوم:

  • البعد الأول: إنجاز التلفظ والكتابة ومشروع الأنا الخاص: يركز هذا البعد على كيفية قيام الشاعر ببناء صوته الخاص في النص، وتشكيل كتابته الفريدة التي تعبر عن مشروع الأنا الخاص به. إنه يتتبع كيف تتجلى الذات الشاعرة في اختيار الكلمات والأساليب والبنى، لتشكل بصمة هوية لا تخطئها العين.
  • البعد الثاني: كتابة الذات وتمثلاتها للآخر: يتوجه هذا الاعتبار إلى فعل كتابة الذات كعملية غير قابلة للفصل عن تمثلات هذه الذات لنفسها وللآخر. فالذات الشاعرة لا توجد بمعزل عن محيطها وتفاعلاتها، وتخييل صور كينونتها وهويتها المتحولة يتم داخل هذا السياق التفاعلي الغني، وعبره.

إسهامات الوراري في النقد الأدبي المعاصر

يعد الناقد عبد اللطيف الوراري، بصفته أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، من الأصوات النقدية الرائدة التي أثرت المشهد الثقافي العربي. يأتي هذا الكتاب ليضاف إلى سجل حافل من الإنجازات النقدية التي تشمل:

  • “تحوُّلات المعنى في الشعر العربي” (2009)
  • “راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية” (2014)
  • “الشرفة والرماد: دراسات في الشعر العربي وقضاياه” (2022)
  • “شعر اللحظة الراهنة: أسئلة ورهانات” (2025)

تشكل هذه الأعمال، بما فيها “الأنا وظلاله”، مرجعاً أساسياً للباحثين والمهتمين بالشعر العربي ونقده الحديث، وتؤكد على مكانة الوراري كواحد من أهم منظري الشعر المعاصر.

يواصل الوراري، من خلال هذا الإصدار، تعميق فهمنا للعلاقة المتشابكة بين الذات واللغة والتخييل في الشعر. إن كتابه ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو دعوة لإعادة قراءة الشعر العربي المعاصر بعيون نقدية تستكشف أبعاده الخفية وتجلياته المعقدة. للمزيد من الأخبار الثقافية والأدبية، تابعوا مقالاتنا على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.