عاجل

كأن الشعر يسكننا: نافذة على دراسات نقدية عميقة في شعر عبد الله زريقة وفلسفته المتفردة

كأن الشعر يسكننا: نافذة على دراسات نقدية عميقة في شعر عبد الله زريقة وفلسفته المتفردة

يُعد الشاعر المغربي عبد الله زريقة من الأصوات الشعرية التي تركت بصمة لا تُمحى في المشهد الأدبي العربي، بفضل تجربته التي تميزت بالفرادة والعمق الفلسفي. وفي سياق تسليط الضوء على هذه التجربة الثرية، جاء كتاب “كأن الشعر يسكننا” ليقدم قراءات معمقة ودراسات نقدية في شعر عبد الله زريقة، مستكشفاً الأبعاد الخفية والجوانب المضيئة في مسيرته الإبداعية. هذا العمل الجماعي، الذي أشرف عليه الناقد أشرف الحساني، يمثل محاولة جادة لفهم العلاقة الوجودية التي تربط زريقة بالشعر، معتبراً إياه ليس مجرد أداة للتعبير بل هو الكينونة ذاتها.

عبد الله زريقة: الشعر كجوهر للوجود

يتناول الكتاب، بتقديم من الشاعر ووزير الثقافة الأسبق محمد الأشعري، فكرة أن عبد الله زريقة ينتمي إلى تلك الفئة النادرة من الشعراء الذين يتماهى الشعر مع وجودهم تماهياً كاملاً. بالنسبة لزريقة، لم يكن الشعر جزءاً من حياته أو حياة موازية، بل هو الوجود نفسه. هذه القناعة الراسخة دفعته منذ قصائده الأولى إلى الانصراف الكلي لهذا الفن، محولاً نفسه إلى “مهاجر خلف الكلمات”. يظل زريقة حاضراً بيننا بجسده، لكن روحه ترحل باستمرار في فضاءات الكلمة، حريصاً على أن يكون كل ما يكسبه أو يخسره مرتبطاً بعالم الشعر اللامتناهي.

لقد اختار زريقة، وجودياً وفلسفياً، أن يقيم في رحاب الشعر وحده، متجاهلاً الإغراءات الأخرى التي قد تشغل الشعراء عن مسارهم. هذا الإصرار على البقاء في معبد الشعر، في إمكاناته اللامحدودة واستحالاته المزمنة، هو ما يميز تجربته. إنه يعيش في اللغة التي يحتضنها وتحمله، وفي العوالم التي يبنيها ويفككها، وفي القيم الجمالية التي تنبع منه وتعود إليه، وفي الأسئلة المتشابكة التي ينسجها حول فعل الكتابة وجدواها، وما تضيفه للإنسانية في عالم يتجه نحو تمجيد الآلة على حساب الروح البشرية.

الأبعاد الفلسفية في دراسات نقدية لشعر عبد الله زريقة

يضم كتاب “كأن الشعر يسكننا” مجموعة من المساهمات النقدية والشعرية المتنوعة، لأسماء وازنة مثل صلاح بوسريف ومنير السرحاني ومحمد علوط وغيرهم الكثير. تتضافر هذه الأصوات لتقديم دراسات نقدية شاملة في شعر عبد الله زريقة، تكشف عن عمق تجربته وفلسفته الفريدة. يسعى المشاركون إلى تحليل كيفية تجسيد زريقة لهذه الفلسفة الوجودية في نصوصه، وكيف تتجلى لغته المصفاة، وسخريته، وحكمته، وخفة الكائن في أشجانه الظاهرة والباطنة.

هذه الدراسات لا تكتفي بتحليل النصوص من منظور بلاغي أو فني بحت، بل تتجاوز ذلك لاستكشاف العلاقة الجدلية بين الشاعر وزمنه. فقد عاش زريقة مخاضات الحياة والشعر بنفس الشغف والجرأة، مسجلاً كل تفاصيل تجربته في مجمل وجوده الشعري. وهذا يشمل مخاطر الولادة الشعرية ومغامراتها، وأوهام المراحل المختلفة، والاستفاقة المؤلمة من الوهم، وندوب المواجهة، وخاصة تلك التي نتجت عن سنوات السجن بسبب قصائده عالية النبرة التي رفضت القمع والاستبداد.

الشعر والمقاومة: صدى تجربة السبعينيات

يعود محمد الأشعري في تقديمه إلى سبعينيات القرن الماضي، الفترة التي شهدت خطواتهم الأولى في مسار التجربة الشعرية، حيث كانت مدرجات الجامعة ودور الشباب تستقبل أصواتهم المترددة. كانت تلك المرحلة محفوفة بالتحديات، مع القبضة الحديدية، والاعتقال، والمنع، والمصادرة التي طوقت أحلام جيل كامل. ورغم كل ذلك، كانت الثقة في الشعر لا تتزعزع. الشعر كان أداة المقاومة، وبواسطته بنى الشعراء إنسانيتهم في وجه الظلم والاستبداد، وبنوا قدرتهم على الصمود.

تُبرز هذه الجزئية كيف أن تجربة زريقة ليست بمعزل عن سياقها التاريخي والاجتماعي. بل كانت قصائده مرآة تعكس صراعات جيله وآماله، وهو ما يضفي بعداً إضافياً على دراسات نقدية في شعر عبد الله زريقة، حيث لا يمكن فصل الجمالي عن السياسي والوجودي في أعماله.

نحو قراءة شاملة وغير منتقاة

يدعو الأشعري إلى قراءة شعر زريقة “باستحضار للتجربة كلها”، قراءة لا تقبل الانتقاء أو البتر. يجب تلقي رؤيته الشعرية ليس فقط في اللحظة الراهنة، بل ضمن مقاربة خاصة بتعدد الأزمنة التي يتنقل فيها الشاعر بحرية. هذا ما يسعى الكتاب لتحقيقه، مقدماً رؤية متكاملة لشاعر ظل مخلصاً لوجوده الشعري لعقود، مقتنعاً بأن الشعر وحده القادر على إنجاز شيء حقيقي من أجلنا. “كأن الشعر يسكننا” ليس مجرد كتاب عن شاعر، بل هو دعوة للتفكير في ماهية الشعر ودوره العميق في تشكيل الوعي والإنسانية.

للمزيد من المقالات والتحليلات الثقافية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.