يشهد قطاع الصحة والحماية الاجتماعية في المغرب حراكاً نقابياً مكثفاً حول واحد من أبرز الملفات التي تهم آلاف الأطر الصحية، وهو مرسوم الحركة الانتقالية لمهنيي الصحة. هذا المرسوم، الذي طال انتظاره، يمثل حجر الزاوية في تنظيم مسار الحركية المهنية للعاملين بالقطاع، ويعد بتحديد معالم واضحة لانتقالاتهم داخل الهياكل الصحية المختلفة. النقاش الجاري بين ممثلي النقابات ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية لا يقتصر على تفاصيل تقنية، بل يلامس جوهر الاستقرار الوظيفي والتطور المهني، مما يجعل كل تطور في هذا الملف يحظى بمتابعة دقيقة من قبل المعنيين.
أهمية مرسوم الحركة الانتقالية لمهنيي الصحة في المشهد الصحي
لا شك أن تنظيم الحركية الانتقالية يعد مطلباً أساسياً وحقاً مشروعاً لمهنيي الصحة. فبجانب الرغبة في تحسين الظروف المعيشية والاقتراب من الأسر، تساهم الحركية المنظمة في تحقيق توزيع عادل للموارد البشرية على الصعيد الوطني، وتلبي احتياجات المناطق التي قد تعاني من نقص في الأطر المتخصصة. المرسوم الجديد يسعى إلى ترسيخ مبدأ الدورية السنوية للحركة، مما يمنح المهنيين فرصة متجددة لتحقيق طموحاتهم المهنية والشخصية دون الحاجة للانتظار لسنوات طويلة، وهو ما يمثل مكسباً كبيراً مقارنة بالممارسات السابقة.
وقد أكدت مصادر نقابية أن مشروع المرسوم، الذي كان محور جلسات الحوار الأخيرة، سيضمن استمرارية هذا الحق، مؤكدًا على الدورية السنوية لعملية الانتقال. هذا الأمر يعكس التزامًا بتنزيل ما تبقى من نقط اتفاق 23 يوليوز 2024، والذي مثل محطة مفصلية في مسيرة تحسين ظروف عمل مهنيي الصحة.
المطالب النقابية الجوهرية وتطلعات مهنيي القطاع
ركز التنسيق النقابي لقطاع الصحة في اجتماعاته مع مسؤولي الوزارة على عدة نقاط محورية، يمكن تلخيصها في الآتي:
- الحفاظ على المكتسبات وتجويدها: شددت النقابات على ضرورة الحفاظ على جميع الحقوق التي تم تحقيقها سابقاً بخصوص الحركية، مع السعي لتجويدها وتطويرها لتناسب التحديات الراهنة وتطلعات الأطر.
- الدورية السنوية للحركية: مطلب أساسي يضمن حق الانتقال كل سنة، سواء كان ذلك داخل المجموعة الصحية الترابية الواحدة، بين المجموعات الصحية، أو بين المجموعات والإدارة المركزية والوكالات والهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة. هذا يضمن انسيابية أكبر في مسارات الانتقال.
- تحديد معايير وشروط واضحة: دعت النقابات إلى وضع معايير وشروط دقيقة وشفافة للحركية في مشروع قرار وزاري متوافق عليه، لضمان العدالة والإنصاف وتفادي أي تأويلات أو قرارات فردية قد تؤثر على مصداقية العملية.
- الإسراع في المصادقة: طالب التنسيق النقابي الوزارة بالإسراع في الصياغة النهائية للمرسوم وطرحه على مسطرة المصادقة في أقرب الآجال، وذلك قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية، لما في ذلك من أهمية بالغة لاستمرارية القرار وتفعيل مكتسبات المهنيين.
محمد اعريوة، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للصحة، أكد أن مشروع المرسوم يتقدم في مساره ويحافظ على مكتسب الحركية السنوية بكافة أصنافها، مشدداً على ضرورة الإسراع في مسطرة المصادقة عليه. من جهته، أوضح محمد زكيري، الكاتب الوطني للجامعة الوطنية لقطاع الصحة، أن تأخر هذا النص القانوني يؤثر على جميع مهنيي القطاع، حيث تبقى جميع مقررات الانتقال رهينة لهذا المرسوم لكي تصبح نافذة.
تجاوب الوزارة وتحديات الصياغة النهائية
أظهرت الوزارة الوصية تفاعلاً إيجابياً مع جزء كبير من الملاحظات والمطالب النقابية. هذا التفاعل يعد مؤشراً على وجود رغبة في التوصل إلى حلول توافقية تخدم مصلحة القطاع ومهنييه. ومع ذلك، تبقى عملية الصياغة النهائية لمثل هذه المراسيم معقدة وتتطلب دقة قانونية عالية لضمان شموليتها وعدم ترك أي ثغرات قد تثير إشكاليات مستقبلية. التحدي الأكبر يكمن في الموازنة بين متطلبات المهنيين، القدرة الاستيعابية للمؤسسات الصحية، والضوابط الإدارية والقانونية.
إن إيجاد التوازن الصحيح يضمن أن يكون مرسوم الحركة الانتقالية لمهنيي الصحة أداة فعالة لتحفيز الأطر وتوزيعها بشكل استراتيجي، بدل أن يكون مجرد آلية إدارية بحتة. وهذا ما تتطلع إليه النقابات كركيزة أساسية لتعزيز العدالة الاجتماعية والمهنية.
حالة خاصة: جهة طنجة-تطوان-الحسيمة واللجان الإدارية
في سياق متصل، تناول الحوار النقابي الوزاري نقطة هامة تتعلق بالمجموعات الصحية الترابية، وتحديداً ما حدث في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة. فقد رفض التنسيق النقابي تعيين لجان ثلاثية تضم الإدارة فقط وتختص بالترقية والتأديب، واقترح بدلاً من ذلك مراسلة رئيس الحكومة للحصول على ترخيص استثنائي (Dérogation) لاستمرار اللجان الإدارية متساوية الأعضاء الحالية في ممارسة مهامها إلى حين الانتخابات المهنية المقبلة. وقد أعلنت الوزارة تفاعلها الإيجابي مع هذا المطلب، مما يعكس روح التوافق والمرونة في التعامل مع الملفات الشائكة التي تهم الجانب التنظيمي والإداري للقطاع.
المستقبل المنتظر لمرسوم الحركية وتأثيره
مع استمرار النقاشات، يترقب مهنيو قطاع الصحة بشغف صدور مرسوم الحركة الانتقالية، الذي من شأنه أن يضع حداً للضبابية والتأخير الذي طال هذا الملف. فإصدار المرسوم في أقرب وقت ممكن لا يمثل فقط استجابة لمطلب نقابي، بل هو أيضاً خطوة حيوية نحو تعزيز استقرار الموارد البشرية وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. إن تأخير المصادقة قد يؤدي إلى استمرار حالة عدم اليقين بين الأطر، مما قد يؤثر على معنوياتهم وإنتاجيتهم. لذلك، فإن السرعة في الإنجاز، مع الحفاظ على الجودة والشمولية، هي ما تتطلع إليه جميع الأطراف.
يتابع الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب عن كثب هذه التطورات، مؤكداً على أهمية هذا المرسوم في تحقيق نقلة نوعية في إدارة الموارد البشرية بقطاع الصحة. إن تنفيذ مرسوم الحركة الانتقالية بشكل فعال ومُنصف سيساهم بلا شك في بناء قطاع صحي أكثر عدلاً وفعالية، قادر على تلبية احتياجات المواطنين وتطلعات مهنييه.
التعليقات (0)
اترك تعليقك