شهد المشهد الديني المغربي مؤخرًا تجددًا في النقاش حول الخلاف الفقهي حول السدل والقبض في الصلاة بالمغرب، وهي مسألة تتعلق بكيفية وضع اليدين أثناء القيام في الصلاة. هذا التباين، الذي يعكس حيوية الفقه الإسلامي وسعته، أثار اهتمام الباحثين والجمهور على حد سواء، خاصة في ظل حرص المؤسسات الدينية على تأطير الممارسة بما يتوافق مع المرجعية المعتمدة في المملكة المغربية، وهي المذهب المالكي.
يؤكد الخبراء أن هذا الجدل لا يمس جوهر صحة الصلاة، وإنما يندرج ضمن الاختلاف في الهيئات والاختيارات الفقهية التي تتسع لها الشريعة الإسلامية. فالمسألة ليست مسألة صواب وخطأ مطلقين، بل هي تفاضل بين هيئات أداء وردت في الأثر، وكلاهما صحيح من حيث الأصل.
جذور الخلاف الفقهي حول السدل والقبض في الصلاة بالمغرب
إن تتبع تاريخ الممارسة الفقهية في المغرب وشمال إفريقيا يكشف عن رسوخ العمل بالمشهور في المذهب المالكي، وهو السدل، أي إرسال اليدين على الجانبين أثناء القيام. وقد درج المغاربة والأندلسيون على هذه الهيئة لقرون عديدة، استنادًا إلى عمل أهل المدينة الذي يعتبر من مصادر التشريع المالكية، وإن كان الإمام مالك نفسه قد روى أحاديث في القبض (وضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر أو السرة).
في المقابل، فإن هيئة القبض ثابتة بآثار صحيحة في السنة النبوية، ويعمل بها في مذاهب فقهية أخرى كالحنفية والشافعية والحنابلة. عودة هذا النقاش إلى الواجهة في السياق المغربي يُعزى إلى عوامل عدة، منها انتشار القنوات الفضائية الدينية التي تروج لمذاهب فقهية أخرى، وورود بعض الكتب والمقررات الدينية من المشرق التي تذكر القبض كالهيئة المعتادة، خاصة بعد فترة الاستقلال.
الموقف الرسمي والمؤسساتي: بين التوجيه وفسحة الأفراد
تضطلع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية بدور محوري في تأطير الممارسة الدينية بالمغرب. وقد جاءت توجيهات هذه المؤسسات، ومنها مراسلات المجلس العلمي الجهوي لجهة الدار البيضاء-سطات، للتأكيد على ضرورة التزام الأئمة والمؤطرين بـ “ما جرى به العمل” في مساجد المملكة منذ قرون، والمتمثل في السدل، وذلك حفاظًا على وحدة الصف وتفاديًا لأي شذوذ فقهي قد يثير البلبلة بين المصلين.
يؤكد الباحثون أن هذا الالتزام المفروض على الأئمة يأتي في سياق تمثيلهم لجهة رسمية تسهر على التقيد بالاختيار الفقهي للدولة. أما بالنسبة لعموم المصلين، فإن المسألة تظل في دائرة السعة الفقهية المعتبرة، ما دامت لا تمس أركان الصلاة وشروط صحتها. فالصلاة بالقبض أو السدل كلاهما صحيح في المذهب المالكي، وإن كان السدل هو المشهور في الفريضة والقبض في النافلة، مع وجود خلاف في كراهيته في الفريضة.
تشدد المؤسسات على أن حرصها على توحيد صفة الصلاة المعتمدة رسميًا يهدف إلى تجنب حدوث اضطراب أو تتبع آراء مذاهب أخرى، مما قد يؤدي إلى تفكك وحدة المجتمع الديني. ومع ذلك، يرى البعض أنه كان من الأجدى تنظيم ندوات علمية ومؤلفات لتبصير الناس بحقيقة المسألة قبل نشر المخالفات، ليكون التغيير، إن لزم، مبنيًا على فهم ودراية.
جوهر الصلاة يتجاوز الهيئات الظاهرية
في خضم هذا النقاش حول الخلاف الفقهي حول السدل والقبض في الصلاة بالمغرب، يبرز صوت العقل الذي يدعو إلى تذكر جوهر الصلاة وغايتها الأسمى. إن الصلاة ليست مجرد حركات وهيئات جسدية، بل هي تعبير عميق عن الخشوع والخضوع لله تعالى، وهي وسيلة لتزكية النفس وتعديل السلوك. مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}.
فالمعركة الحقيقية، كما يرى بعض المفكرين، ليست في كيفية وضع اليدين، بل في إقامة هذه الشعيرة العظيمة بروحانية صادقة تجعلها مؤثرة في حياة الفرد والمجتمع. ينبغي أن تعزز الصلاة الائتلاف والمحبة، لا أن تتحول إلى ساحة للخلاف والتنازع، خاصة في جزئيات لا تمس أركانها الأساسية.
دعوات لتدبير الخلاف بروح علمية وبناءة
في سياق إدارة الخلاف الفقهي حول السدل والقبض في الصلاة بالمغرب، يطالب الباحثون بتبني مقاربة علمية رصينة تحفظ وحدة المصلين وتجنب تحويل بيوت الله إلى فضاءات للنزاع. إن وجود سعة في المذاهب الفقهية يعد ثراءً تشريعيًا ودليلاً على يسر الإسلام، ولا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للشقاق.
من المهم أن يتم توعية الجمهور العام بأن المسألة فيها سعة، وأن الخلاف فيها معتبر ومشروع حتى داخل المذهب المالكي نفسه، حيث وردت روايتا القبض والسدل. هذه التوعية يمكن أن تتم عبر برامج دينية متوازنة، ندوات علمية، ومقالات تثقيفية، بعيدًا عن لغة الإقصاء أو التخوين.
إن دور المؤسسات الدينية ليس فقط في توحيد الممارسة، بل أيضًا في تفسير الأسس العلمية والشرعية لهذا التوحيد، وتعزيز ثقافة التسامح وقبول الاختلاف في المسائل الظنية. هذا ما يضمن استقرار المجتمع الديني ويُعزز من قيم الوحدة والاعتدال، التي لطالما تميز بها المغرب عبر تاريخه العريق. يمكنكم متابعة المزيد من التحليلات الدينية عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك