شهد القطاع شبه الطبي بالمغرب تطورات لافتة، خصوصًا فيما يتعلق بمهنة صناع ومركبي الأسنان. فبعد سنوات من الجدل والملاحقات القضائية، بدأت ملامح حلحلة تظهر في الأفق، حيث صدرت أحكام قضائية ابتدائية تقضي ببراءة مهنيين من تهم “المزاولة غير القانونية لمهنة الطب” و”انتحال صفة طبيب أسنان”. هذه الأحكام، التي اعتبرتها الجمعية المغربية لصناع ومركبي الأسنان بمثابة انتصار للحق والعدالة، تعيد تسليط الضوء على الحاجة الملحة إلى تقنين مهنة صناع الأسنان بالمغرب ووضع إطار تشريعي واضح يحمي الممارسين والمواطنين على حد سواء.
إن النزاع القائم بين الهيئة الوطنية لأطباء الأسنان وصناع ومركبي الأسنان ليس جديدًا، بل يمتد لعقود. فلطالما اعتبر صناع الأسنان أنفسهم ضحية لحملات “تشهير كيدي” و”تضييق مهني” تهدف إلى إقصائهم من الساحة. يؤكد المهدي بلعباس، رئيس الجمعية المغربية لصناع ومركبي الأسنان ومندوب الفيدرالية الدولية لصناع ومركبي الأسنان بالمغرب، أن مهنتهم متجذرة تاريخيًا في النسيج الاجتماعي المغربي، وأن القضاء والتشريع كانا منصفين لها منذ البداية، مستشهدًا بالفصل الخامس من الظهير الشريف لسنة 1960 الذي أشار إلى هذه المهنة صراحةً.
أصول مهنة صناع الأسنان والإطار القانوني المبهم
تندرج مهنة صانع ومركب الأسنان ضمن المهن شبه الطبية والتقنية التي لا تخضع لأحكام قانون الطب الصرفة. فمنذ صدور ظهير 1960، ظلت هذه المهنة قائمة وتمارس في مختلف أنحاء المملكة، على الرغم من وجود فراغ تشريعي لم يحدد بدقة أشكال الممارسة وشروط الولوج. هذا الفراغ استغلته بعض الجهات لرفع شكاوى قضائية ضد المهنيين، متهمة إياهم بـ”انتحال الصفة” بناءً على تفسير ضيق لقانون 05.07، وهو قانون إطار خاص بتنظيم هيئة أطباء الأسنان في القطاع الخاص، ولا علاقة له بمهنة صناع الأسنان المستقلة قانونًا.
يواجه صناع الأسنان تحديات جمة، أبرزها:
- اتهامات متكررة بـ”انتحال الصفة”: وهي تهمة كانت بمثابة كابوس يلاحق المهنيين عند محاولتهم الترويج لخدماتهم أو محلاتهم.
- التضييق المهني: من خلال شكاوى قضائية تهدف إلى عرقلة عملهم وتشويه سمعتهم.
- الخلط بين الاختصاصات: حيث يعتبر بعض أطباء الأسنان أن جميع الخدمات المتعلقة بصحة الفم اختصاص حصري لهم، مما يتجاهل الدور التقني البحت لصناع الأسنان.
- محاولات تغيير تسمية المهنة: مثل اقتراح تسمية “صانع رمامات الأسنان” لدمجهم مع تقنيي المختبرات، وهو ما يهدد استقلالية المهنة التاريخية.
نداء عاجل لـ تقنين مهنة صناع الأسنان بالمغرب وحماية الممارسين
أكدت الجمعية المغربية لصناع ومركبي الأسنان على أن الأحكام القضائية الأخيرة، ومنها الحكم الصادر بمدينة سلا الذي برأ أحد المهنيين من تهمتي النصب وانتحال الصفة، تؤكد أن مهنة صانع ومركب الأسنان هي مهنة “شبه طبية” غير منظمة حاليًا وليست جريمة. ولهذا، يجدد صناع الأسنان دعوتهم للسلطات العمومية إلى فتح حوار مؤسساتي جاد ومنظم يهدف إلى هيكلة المهنة بشكل يحمي حقوق الممارسين والمواطنين على حد سواء.
إن استمرار هذا الوضع الغامض لا يضر بالمهنيين فحسب، بل يؤثر أيضًا على المواطنين، وخاصة ذوي الدخل المحدود الذين غالبًا ما يجدون في خدمات صناع الأسنان بديلاً أكثر تكلفة من طب الأسنان التقليدي. فالأخير قد يكون باهظ الثمن بالنسبة للكثيرين، مما يجعل خدمات صناع الأسنان خيارًا حيويًا لتلبية الاحتياجات الأساسية. هذه الممارسات، رغم أهميتها الاجتماعية، تظل عرضة للملاحقة بسبب غياب الإطار القانوني الواضح.
جهود التأهيل والتنظيم على الصعيدين الوطني والدولي
لم يقف صناع الأسنان مكتوفي الأيدي، بل بادروا إلى اتخاذ خطوات جادة لتأهيل المهنة وتطويرها. فقد تم افتتاح مركز تكويني بالتعاون مع الجانب الهولندي بهدف تطوير المهارات التقنية واللغوية وتحديد الممارسات المهنية وفقًا للمعايير الدولية. كما تم توجيه مراسلات للجهات الرسمية، بما فيها الديوان الملكي ووزارة الصحة ووزارة الإدماج الاقتصادي، لإحاطتها علمًا بهذه المبادرات التي تسعى إلى تنظيم القطاع وتسهيل إدماج الممارسين ضمن منظومة صحية متكاملة ومعترف بها أكاديميًا.
في الختام، تتطلع الجمعية المغربية لصناع ومركبي الأسنان إلى وقف كافة أشكال الملاحقات القانونية والتشهير الكيدي، مؤكدة على حقهم في التنظيم والحماية المهنية المضمونة بموجب القانون. إنها دعوة لإنهاء تصفية الحسابات المهنية الضيقة، والعمل نحو مستقبل يضمن استمرارية القطاع وخدماته الأساسية للمواطنين، في إطار تشريعي واضح وعادل. يمكنكم متابعة آخر التطورات عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك