عاجل

التزييف العميق: لم يعد الخطر في الكذب بل في الشك في الحقيقة ذاتها

التزييف العميق: لم يعد الخطر في الكذب بل في الشك في الحقيقة ذاتها

التزييف العميق: تهديد وجودي للثقة في المعلومات

في عصر تتقن فيه تقنيات التزييف العميق إنتاج محتوى مرئي ومسموع لا يمكن تمييزه عن الواقع، يتحول الخطر من مجرد نشر معلومات مضللة إلى تقويض أسس الثقة الجماعية. هذا ما حذر منه خبراء خلال جلسة “الدفاع عن الحقيقة: التزييف العميق والمعلومات المضللة والتماسك الاجتماعي”، التي نظمت بمشاركة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب ومركز السياسات من أجل الجنوب الجديد.

تآكل الثقة في المعلومات

أشار محمد بنعبد، أستاذ الممارسة بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على مصداقية المصادر، بل أصبح السؤال الأساسي: هل يمكننا تصديق ما نراه أو نسمعه؟ هذا التحول يمثل تغييرًا جذريًا في علاقة المجتمعات بالمعلومات. وأظهرت الإحصائيات أن 40% فقط من سكان العالم يثقون في المعلومات، بينما يتجنب 40% آخرون الأخبار تمامًا، مما يعكس أزمة عميقة في الثقة.

عندما يصبح الحقيقة موضع شك

أوضح عماد حشتكي، مسؤول البرامج في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أن التزييف العميق لا يقتصر على نشر الأكاذيب، بل يخلق بيئة يصبح فيها كل شيء قابلاً للشك، حتى المحتوى الحقيقي. هذا يغذي ما يسمى بـ”أرباح الكاذب”، حيث يمكن للسياسيين أو المؤسسات رفض المحتوى الحقيقي بدعوى أنه مزيف. وأكدت كارين أوكلي، خبيرة العمليات الانتخابية، أن هذا يشكل تحديًا كبيرًا للديمقراطيات، حيث يمكن لشائعة واحدة أو فيديو مزيف أن يلقي بظلاله على العملية الانتخابية بأكملها.

انفجار في المحتوى المُصنّع

تشير الأرقام إلى أن عدد مقاطع التزييف العميق المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف 16 مرة في عامين، ويتم إنشاء محتوى مزيف جديد كل دقيقتين. وتجاوزت استخداماته المجال السياسي إلى الاحتيال المالي، مثل خسارة شركة بريطانية 25 مليون دولار بعد اجتماع عبر الفيديو تم تزييفه بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتواجه أدوات الكشف الحالية صعوبة في مواكبة تطور التقنيات التوليدية، خاصة بعد ضغط المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي مما يمحو الأدلة التقنية.

أفريقيا: ضعف إضافي في مواجهة التزييف العميق

أكد الخبراء أن أنظمة كشف التزييف العميق الحالية مدربة على قواعد بيانات غربية، مما يجعلها غير قادرة على التعرف على الوجوه الأفريقية أو اللهجات المحلية مثل الدارجة والهوسا. لذلك، دعا مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد إلى بناء سيادة رقمية أفريقية من خلال تطوير قواعد بيانات محلية وأدوات ذكاء اصطناعي تراعي الخصوصيات الثقافية واللغوية. لمزيد من المعلومات، يمكنك الاطلاع على مقال التزييف العميق على ويكيبيديا.

إبطاء سرعة تدفق المعلومات لاستعادة التفكير النقدي

دعا الخبراء إلى حلول لا تقتصر على التكنولوجيا، بل تشمل تعزيز التعليم الإعلامي والتفكير النقدي ومحاسبة المنصات الرقمية. وشدد محمد بنعبد على ضرورة “إبطاء” سرعة تدفق المعلومات، وهي فكرة قد تبدو متناقضة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها ضرورة ديمقراطية. ففي عالم لم تعد فيه الصورة دليلاً، يصبح وقت التحقق واجبًا مدنيًا. التحدي الآن ليس فقط كشف المزيف، بل الحفاظ على قدرة المجتمعات على الاتفاق على ما هو حقيقي، وإلا فإن التماسك الاجتماعي سيكون الضحية القادمة للذكاء الاصطناعي.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.