في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، يبرز ملف المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية كأحد أبرز الملفات العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية. ويشير المحللون إلى أن ميزان القوى في سبتة ومليلية يشهد تغيرات جوهرية لصالح المغرب، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية التي تعرفها المنطقة. هذا ما أكده الخبير عزيز داودة في تحليله الأخير، حيث شدد على أن هذه التغيرات لم تأت من فراغ، بل هي نتاج تراكمات تاريخية واستراتيجية.
السياق التاريخي لسبتة ومليلية: من الحماية إلى التبعية
لفهم طبيعة التحولات الحالية، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية لهاتين المدينتين. فسبتة ومليلية، اللتان كانتا من أوائل المستعمرات الإسبانية خارج أوروبا، احتلتهما إسبانيا في إطار صراعاتها البحرية مع القراصنة، لكنهما ظلتا على مر القرون جزءًا من التراب المغربي في الوعي الجمعي. ورغم أن إسبانيا تعتبرهما قانونيًا جزءًا من أراضيها، إلا أن الواقع الجغرافي والثقافي يؤكد ارتباطهما الوثيق بالمغرب.
ويشير داودة إلى أن المغرب لم يستكمل بعد استقلاله الكامل، وأن وضعية هاتين المدينتين تندرج ضمن هذا السياق التاريخي المعقد. فبينما تحررت معظم المستعمرات الإسبانية في القرن العشرين، بقيت هاتان المدينتان كآخر معاقل الاستعمار الأوروبي في شمال إفريقيا، وهو ما يشكل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الوطنية المغربية.
الهجرة الجماعية: خلفيات رقمية وتدخلات خارجية
في سياق متصل، تناول داودة أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة التي شهدتها سبتة، معتبرًا أنها لم تكن وليدة الصدفة، بل تم تأجيجها عبر آليات رقمية وخوارزميات انطلقت من الخارج، وتحديدًا من الجزائر عبر مجموعات وتطبيقات مثل واتساب. وشبه انتشار هذه الشائعات بنقطة الزيت التي تتوسع وتتضخم لتغرر بالشباب وتدفعهم نحو المجهول.
هذه القراءة تفتح الباب أمام تساؤلات حول دور التكنولوجيا في تأجيج الأزمات الإنسانية، وكيف يمكن للدول أن تستخدم أدوات رقمية لزعزعة استقرار جيرانها. كما تطرح إشكالية مسؤولية المنصات الرقمية في الحد من انتشار المحتوى المضلل الذي يعرض حياة الآلاف للخطر.
اليأس المجتمعي: ما وراء الفقر المادي
على المستوى المجتمعي، رفض داودة ربط حالة اليأس بين الشباب بالفقر المادي وحده، شارحًا أن اليأس هو سلوك قد ينتج عن عوامل سياسية أو اجتماعية. فالإنسان قد يعاني من الإحباط رغم استقراره المادي إذا فقد الثقة في التمثيلية السياسية أو تعرض لضغوط مجتمعية. وانتقد في هذا الصدد المقاربات الإحصائية المعتمدة لقياس البطالة، معتبرًا إياها مستوردة ولا تعكس حقيقة وثقافة المجتمع المغربي الذي يعتمد أحيانًا على تعدد المهن غير المهيكلة.
هذه الملاحظة تفتح نقاشًا أوسع حول مدى ملاءمة المؤشرات الاقتصادية الغربية للواقع المغربي، حيث أن الاقتصاد غير المهيكل يلعب دورًا حيويًا في امتصاص البطالة، لكنه يظل خارج حسابات الإحصاءات الرسمية، مما يشوه الصورة الحقيقية لسوق الشغل.
سوق الشغل: مفارقة الخصاص والهجرة
ولفت داودة الانتباه إلى مفارقة غريبة في سوق الشغل، حيث تعاني قطاعات حيوية كالفلاحة والبناء من خصاص كبير في اليد العاملة، وهو فراغ بات يملؤه مهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في حين يمتنع بعض الشباب المغربي عن ممارسة هذه المهن. وعزا ذلك إلى تراجع قيمة العمل في الثقافة المجتمعية الحديثة، التي أصبحت تحتقر الحرف اليدوية، فضلًا عن الخلط القانوني بين مفهومي تشغيل الأطفال والتعلم الحرفي، مما أدى إلى حرمان الأجيال الصاعدة من فرص اكتساب المهن عبر نظام التدرج المهني.
هذه المعضلة تتطلب إعادة النظر في السياسات التعليمية والتكوينية، وتشجيع التكوين المهني، وتصحيح الصورة النمطية عن العمل اليدوي، خاصة في ظل الحاجة الملحة لمواكبة المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في السنوات الأخيرة.
مؤشرات إيجابية رغم التحديات
ورغم التحديات، سلط داودة الضوء على مؤشرات إيجابية تعكس تطور البلاد، كارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 77 عامًا بفضل تحسن ظروف التغذية والصحة، كما اعتبر لجوء المغاربة للقروض لاقتناء السكن والسيارات مؤشرًا على القدرة الشرائية والملاءة المالية وليس بالضرورة ظاهرة سلبية، مدافعًا عن حق المواطن في امتلاك سكنه الخاص.
غير أنه حذر من استمرار بعض العراقيل الإدارية والضريبية التي ترهق المقاولات الصغرى وتحد من الاستثمار وخلق الثروة. فتحسين مناخ الأعمال يظل رهينًا بتبسيط المساطر وتخفيف الأعباء الضريبية عن الفاعلين الاقتصاديين الصغار والمتوسطين، الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
أزمة السردية الوطنية: الحاجة إلى خطاب إيجابي
وأكد داودة على وجود أزمة حقيقية في السردية الوطنية، حيث يغيب الخطاب الإيجابي الذي يبرز النماذج الناجحة والنزيهة في عالم السياسة، ليحل محله تعميم لثقافة التفاهة وتصوير جميع السياسيين على أنهم فاسدون. ودعا إلى تسليط الضوء على الكفاءات الوطنية النظيفة لتشجيع المواطنين على الانخراط الإيجابي واستعادة الثقة في المؤسسات.
هذه الدعوة تكتسي أهمية خاصة في ظل تراجع المشاركة السياسية وانتشار الإحباط بين الشباب، مما يستدعي إعادة الاعتبار للعمل السياسي وتقديم نماذج مشرفة يمكن للشباب أن يقتدي بها.
ميزان القوى في سبتة ومليلية: تحول استراتيجي
وختم داودة تحليله بالعودة إلى ملف المدن المحتلة، معتبرًا أن الأحداث الأخيرة كشفت للعالم الطبيعة الاستعمارية للتواجد الإسباني في سبتة ومليلية. وأشار إلى أن ميزان القوى في سبتة ومليلية قد تغير لصالح المغرب، خاصة بعد إغلاق منافذ التهريب المعيشي الذي كانت تعيش عليه هذه الثغور، مما جعلها تعتمد بشكل أكبر على المساعدات الإسبانية.
هذا التحول يضع إسبانيا أمام مسؤولياتها التاريخية، ويدعوها إلى التحلي بالشجاعة لمواجهة الحقائق التاريخية وتغيير مناهجها التعليمية التي لا تزال أسيرة نظرة استعمارية تلغي قرونًا من الحضارة المشتركة. كما يفتح الباب أمام نقاش جاد حول مستقبل هاتين المدينتين في إطار الحوار الثنائي والشرعية الدولية.
للمزيد من المعلومات حول تاريخ سبتة ومليلية، يمكنكم الاطلاع على مقال ويكيبيديا عن سبتة.
تابعوا آخر المستجدات حول هذا الملف على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك