عاجل

ضغوط دولية متصاعدة تدفع البوليساريو نحو مراجعة موقفها من الحكم الذاتي

ضغوط دولية متصاعدة تدفع البوليساريو نحو مراجعة موقفها من الحكم الذاتي

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، تتعرض جبهة البوليساريو لضغوط دولية متزايدة تدفعها إلى إعادة النظر في مواقفها التقليدية، حيث أقر زعيمها إبراهيم غالي بصعوبة الوضع، معترفاً ضمنياً بأن الخيارات المتاحة أمامه أصبحت محدودة للغاية. هذه التطورات تأتي في وقت يواصل فيه المغرب حشد الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، مما يضع الجبهة أمام مفترق طرق حاسم.

تصاعد الضغوط الدولية على البوليساريو

في كلمة ألقاها خلال المؤتمر الخامس للطلبة، أشار غالي إلى ما وصفه بـ”التطورات المتسارعة” في قضية الصحراء، رابطاً ذلك بشكل مباشر بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في أكتوبر الماضي. هذا القرار، الذي يعكس تحولاً في المواقف الدولية، يضيف مزيداً من الضغوط على الجبهة الانفصالية، التي تجد نفسها أمام واقع جديد لم تعد فيه الشعارات القديمة كافية لضمان استمرار الدعم الدولي.

ويؤكد المحللون أن هذه الضغوط لم تعد مقتصرة على الجانب الدبلوماسي، بل امتدت لتشمل الجانب الميداني، حيث تراجعت قدرة البوليساريو على المناورة العسكرية، خاصة بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في نونبر 2020. كما أن تراجع الاعترافات الدولية بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وسحب عدد من الدول اعترافها أو تجميده، يزيد من عزلة الجبهة على الساحة الدولية.

انقسامات داخلية وتلميحات بقبول الحكم الذاتي

في تطور لافت، كشفت تصريحات بعض قادة البوليساريو عن وجود انقسامات داخلية حول مستقبل النزاع، حيث فتح محمد سالم ولد السالك الباب أمام إمكانية التعامل مع مقترح الحكم الذاتي تحت وطأة الضغوط الدولية، وهو ما قوبل برفض قاطع من البشير مصطفى السيد. هذا الجدل الداخلي يعكس حالة من التخبط والقلق داخل قيادة الجبهة، التي تحاول جاهدة الحفاظ على تماسكها في مواجهة التحديات المتزايدة.

ويرى مراقبون أن هذه التلميحات، رغم غموضها، تمثل مؤشراً على أن الجبهة بدأت تستوعب أن الحكم الذاتي المقترح من المغرب أصبح يشكل الأساس الوحيد القابل للتفاوض، خاصة بعد أن تبنته الولايات المتحدة والأمم المتحدة كحل واقعي للنزاع. كما أن المشاورات الأخيرة التي احتضنتها واشنطن ومدريد ركزت بشكل متزايد على هذا المقترح، مما يضع الجبهة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في مسار الحكم الذاتي، أو مواصلة العزلة والتراجع.

الجزائر وحاضنة البوليساريو في مأزق

لم تقتصر تداعيات هذه التحولات على البوليساريو وحدها، بل امتدت لتشمل الجزائر، الداعم الرئيسي للجبهة، حيث تراجع هامش المناورة الجزائري في إدارة الملف، خاصة بعد أن تولت الجزائر رئاسة لجنة السلم والأمن التابعة للاتحاد الإفريقي دون أن تدرج قضية الصحراء ضمن أولوياتها، وهو ما يعكس تراجعاً في الحضور الجزائري على مستوى المؤسسات القارية. ويشير محللون إلى أن الجزائر باتت تواجه صعوبات في تحمل الكلفة السياسية والاستراتيجية لاستمرار النزاع، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة.

وفي هذا السياق، يرى محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، أن “المستجد الدولي أصبح مقلقاً لإبراهيم غالي ورفاقه، لكن الأخطر بالنسبة لتماسك الجبهة هو انتقال الضغط من الخارج إلى الداخل، وبروز مؤشرات خلاف بين قياداتها”. ويضيف أن “القيادة الحالية للبوليساريو تواجه، إلى جانب الاحتقان الداخلي، تحدياً أكثر عمقاً يرتبط بتراجع القدرة الجزائرية على تحمل الكلفة السياسية والاستراتيجية لاستمرار النزاع”.

مؤشرات على استسلام غير معلن

من جهته، يرى السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، أن البوليساريو تعيش اليوم “وضعية استسلام غير معلن”، مشيراً إلى أن القيادة الانفصالية دخلت مرحلة “اللعبة السياسية الأخيرة في الوقت بدل الضائع”. ويوضح رحال أن تصريحات غالي ومسؤولي الجبهة ليست موجهة إلى الخارج، بل هي “عملية تهيئة للرأي العام في مخيمات تندوف لقبول الأمر الواقع”، وذلك بشكل تدريجي لتجنب حدوث صدمة داخلية.

ويتوقع رحال أن تشهد الأشهر المقبلة تصريحات “أكثر وضوحاً وقوة” من قيادة الجبهة، تمهد للإقرار بأن الحكم الذاتي هو الحل المطروح على طاولة المفاوضات، وأن هامش البحث عن خيارات بديلة أصبح محدوداً للغاية. كما يشير إلى أن أحد أبرز مؤشرات التحول يتمثل في “تراجع مستوى الحضور الجزائري” في إدارة الملف داخل المؤسسات القارية، وهو ما يعكس تغيراً في موازين القوى الإقليمية.

مستقبل النزاع في ضوء المعطيات الجديدة

مع استمرار الضغوط الدولية، يبدو أن البوليساريو أمام خيارات ضيقة، حيث لم يعد أمامها سوى “طريق تقاسم فاتورة السلام”، على حد تعبير محمد فاضل بقادة. فالقرار الأممي 2797، والتوالي المتزايد للاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، يفرضان على الجبهة إعادة حساباتها، والانتقال من خطاب الرفض المطلق إلى الانخراط في مسار سياسي يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وفي هذا الإطار، يشدد بقادة على أن أي تسوية نهائية ينبغي أن تفتح أفقاً لعودة اللاجئين من مخيمات تندوف إلى المغرب، والانخراط في مشروع تنموي واقتصادي واجتماعي يضمن الاستقرار. ويستحضر عبارة الملك محمد السادس في خطاب 31 أكتوبر الماضي: “إن ما بعد 31 أكتوبر ليس كما قبله”، معتبراً أنها تختزل التحول الذي طرأ على مسار القضية، وترسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها تجاوز منطق الانتظار نحو تسوية سياسية نهائية.

ولمزيد من التفاصيل حول تطورات قضية الصحراء، يمكنكم الاطلاع على مقال ويكيبيديا حول الصحراء المغربية، كما يمكنكم متابعة آخر الأخبار والتحليلات على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.