استعدادات مطارات المغرب لكأس العالم 2030: ONDA تطلق مكتب تحقيق القيمة
في خطوة تعكس جدية المملكة في التحضير لحدث عالمي غير مسبوق، أعلن المكتب الوطني للمطارات (ONDA) عن إطلاق طلب عروض استراتيجي يهدف إلى مواكبة استعدادات مطارات المغرب لكأس العالم 2030. هذا المشروع الطموح لا يقتصر على تحسين البنية التحتية فحسب، بل يمتد ليشمل بناء منظومة حكامة متكاملة قادرة على استيعاب التدفقات الهائلة المتوقعة من المشجعين والوفود الرسمية ووسائل الإعلام.
وتأتي هذه المبادرة في سياق الشراكة الثلاثية بين المغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم المونديال، مما يضع المطارات المغربية أمام اختبار حقيقي يتطلب رفع مستوى الأداء إلى معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA). ووفقاً للمصادر، يسعى المكتب الوطني للمطارات إلى التعاقد مع مكتب استشاري متخصص لبناء خارطة طريق شاملة من الصفر، ترافقه في مرحلة التنفيذ أيضاً.
مكتب تحقيق القيمة: حجر الزاوية في استعدادات مطارات المغرب لكأس العالم 2030
يتمحور المشروع الجديد حول إنشاء مكتب تحقيق القيمة (Value Realization Office – VRO)، وهو هيكل قيادي مبتكر يهدف إلى تنسيق جميع الأوراش المرتبطة بالتحضير للمونديال. هذا المكتب لن يكون مجرد إدارة إدارية، بل سيكون عقل المشروع الذي يضمن تحويل الاستثمارات إلى قيمة ملموسة على أرض الواقع.
وتشمل مهام هذا المكتب تحديد رؤيته ونطاق تدخله وموقعه المؤسساتي داخل ONDA، بالإضافة إلى رسم خريطة الجهات والمديريات التي يجب تنسيق العمل بينها. كما سيتولى بناء منظومة الحكامة ولجن القيادة، وإعداد مصفوفة RACI لكل ورشة، وهي أداة إدارية تحدد المسؤوليات والصلاحيات بدقة. ولن يغيب الجانب التقني عن هذا الهيكل، حيث سيتم تطوير لوحة قيادة (Dashboard) ومؤشرات أداء رئيسية (KPIs) لضمان متابعة مستمرة ومستنيرة.
ثلاث مراحل استراتيجية لمواكبة الحدث العالمي
لم يأت هذا المشروع عشوائياً، بل تم تصميمه على ثلاث مراحل متتالية ومتكاملة. المرحلة الأولى، التي انطلق طلب العروض الخاص بها، تركز على الهيكلة والتأسيس لمكتب تحقيق القيمة. أما المرحلة الثانية، فستشهد بناء مرجعية للامتثال لمتطلبات FIFA، وتقييم الوضعية الحالية للمطارات المغربية مقارنة بهذه المرجعية.
ولتعزيز منهجيتها، ستعتمد ONDA على تجارب مطارات عالمية سبق لها استقبال أحداث رياضية كبرى، مثل مونديال قطر 2022، وأولمبياد باريس 2024، وكأس العالم 2026. هذه التجارب ستوفر دروساً قيمة حول إدارة الحشود، وتدفق المسافرين، وتجربة الضيوف.
أما المرحلة الثالثة والأكثر استراتيجية، فستحدد مستوى الأداء الذي يجب أن يصل إليه كل مطار: الطاقة الاستيعابية، انسيابية التدفقات، جودة الخدمات، الأمن، وتجربة المسافر. وسيتم ترجمة هذه الطموحات إلى خارطة طريق ملموسة تمتد حتى 2030. كما سيتم إعداد أداة خاصة لتنظيم التبادلات بين ONDA وFIFA خلال زيارات التفتيش ومراجعات الامتثال، مما يضمن تقديم صورة احترافية ومتحكم فيها لتقدم التحضيرات.
نطاق المطارات المعنية: من الملاعب إلى مطارات التخفيف
وفقاً لدفتر التحملات، تشمل المهمة بشكل أساسي المطارات التي ستستقبل مباريات أو تلعب دوراً هيكلياً في استقبال الوفود والمسؤولين والإعلاميين والمشجعين. كما تمتد لتشمل أي مطار قد يلعب دوراً في تخفيف الضغط أو كـمطار عازل في إطار إدارة تدفقات مونديال 2030.
ومن المقرر أن يتم تحديد النطاق النهائي للمطارات المعنية فقط بعد انتهاء المرحلة الأولى، بناءً على تحليل التدفقات المتوقعة وقدرات الشبكة الحالية. هذا النهج التدريجي يعكس رغبة في التخطيط العلمي بعيداً عن العشوائية.
ولمواكبة هذه التحولات، يبقى الاطلاع على مستجدات الاقتصاد الوطني أمراً ضرورياً، وهو ما يوفره الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، الذي يواكب عن كثب ملف استعدادات المغرب للمونديال.
تحديات لوجستية وأمنية غير مسبوقة
لا يخفى على أحد حجم التحديات التي تنتظر المطارات المغربية. فاستقبال ملايين المشجعين من مختلف أنحاء العالم يتطلب بنية تحتية قادرة على الصمود أمام ضغط هائل. وتشمل هذه التحديات:
- إدارة الحشود: تطوير أنظمة ذكية لتوجيه المسافرين وتقليل أوقات الانتظار.
- الأمن والسلامة: تعزيز إجراءات التفتيش والمراقبة وفق المعايير الدولية.
- تجربة المسافر: تحسين الخدمات والمرافق لتعكس صورة حضارية للمملكة.
- الربط الجوي: زيادة عدد الرحلات الجوية وربط المطارات بوجهات جديدة.
هذه التحديات تتطلب تنسيقاً محكماً بين مختلف الفاعلين، من سلطات المطارات إلى شركات الطيران والجهات الأمنية. وهنا يبرز دور مكتب تحقيق القيمة كحلقة وصل تضمن انسجام الجهود.
نحو إرث مستدام لما بعد 2030
الهدف لا يقتصر على تنظيم ناجح للمونديال، بل يتعداه إلى بناء إرث مستدام يستفيد منه المغرب لسنوات قادمة. فالاستثمارات في المطارات ستنعكس إيجاباً على قطاع السياحة والاقتصاد الوطني بشكل عام. ومن المتوقع أن تشهد المطارات المغربية تحديثات شاملة في أنظمة المعلومات، والبنية التحتية، والخدمات، مما يجعلها في مصاف المطارات العالمية.
وفي هذا السياق، يظل السؤال المطروح: هل ستتمكن ONDA من اللحاق بالركب في الوقت المحدد؟ الإجابة تتوقف على مدى فعالية التنفيذ والالتزام بالجدول الزمني الطموح. لكن المؤشرات الأولى، مع إطلاق هذا الطلب الاستراتيجي، تدل على أن المملكة تتعامل مع الملف بجدية تامة.
ختاماً، يمكن القول إن استعدادات مطارات المغرب لكأس العالم 2030 ليست مجرد مشروع تطويري، بل هي اختبار لقدرة المغرب على التحول إلى قطب لوجستي عالمي. ومع وجود مكتب تحقيق القيمة، تبدو الطريق ممهدة نحو تحقيق هذا الطموح، شريطة استمرار التنسيق والالتزام بالمعايير الدولية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك