الأداء الاجتماعي في اللوجستيك المغربي: المحرك الخفي للاستدامة
في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، يبرز الأداء الاجتماعي في اللوجستيك المغربي كعامل حاسم لتحقيق النجاح المستدام. كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة وجامعة ابن طفيل، بالتعاون مع كلية إدارة الأعمال الأورومتوسطية بفاس، أن الممارسات الاجتماعية القوية ليست مجرد واجب أخلاقي، بل هي المحرك الأساسي للأداء البيئي والتنافسي. شملت الدراسة 210 من المهنيين في قطاع اللوجستيك، وأظهرت أن الشركات التي تستثمر في الجانب الاجتماعي تحقق نتائج بيئية أفضل بنسبة تصل إلى 41.5% من خلال الوساطة الجزئية.
لماذا يعتبر الأداء الاجتماعي في اللوجستيك المغربي أكثر تأثيراً من الممارسات الخضراء؟
وفقاً للنتائج، فإن العلاقة المباشرة بين الممارسات الخضراء والأداء العام تظل ضعيفة (معامل 0.263)، بينما يصل تأثير الأداء الاجتماعي إلى 0.379. هذا يعني أن الاستثمار في تحسين ظروف العمل، والسلامة المهنية، والتدريب، والمساواة بين الجنسين، والحوار مع المجتمعات المحلية، يعزز بشكل غير مباشر الفوائد البيئية. ويُعزى ذلك إلى أن الموظفين المشاركين والمحفزين يصبحون أكثر التزاماً بتبني الممارسات المستدامة، مما يخلق حلقة إيجابية بين الاجتماعي والبيئي.
سياق الدراسة: قطاع لوجستيكي تحت ضغط أوروبي متزايد
يأتي هذا البحث في وقت حساس، حيث يواجه المغرب تحديات جديدة بفعل الصفقة الخضراء الأوروبية، وتوجيه الإبلاغ عن الاستدامة للشركات (CSRD)، وآلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM). هذه التشريعات تفرض على الفاعلين اللوجستيين المغاربة، خاصة في محور طنجة المتوسط، الامتثال لمعايير بيئية واجتماعية صارمة. ويشكل قطاع اللوجستيك حوالي 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي المغربي، مما يجعله رهاناً استراتيجياً للتنمية.
نتائج رئيسية: الأرقام تتحدث
- الممارسات الخضراء: تشمل تحسين التغليف، والمستودعات الموفرة للطاقة، واللوجستيك العكسي، وتحسين المسارات، والمواد القابلة لإعادة التدوير. لكن اعتمادها لا يزال محدوداً، بمتوسطات تتراوح بين 2.46 و2.89 على مقياس من 5.
- الأداء الاجتماعي: يتضمن السلامة في العمل، والتدريب، والمساواة بين الجنسين، والانخراط المجتمعي. يؤثر بشكل مباشر وقوي على الأداء العام.
- الوساطة الجزئية: الممارسات الخضراء ترتبط بتحسين الأداء الاجتماعي (0.494)، والذي بدوره يعزز الأداء العام. التأثير غير المباشر يبلغ 0.187، أي 41.5% من التأثير الكلي (0.450).
توصيات لتعزيز الأداء الاجتماعي في اللوجستيك المغربي
بناءً على النتائج، يوصي الباحثون بتبني استراتيجية ESG متكاملة بدلاً من التركيز على جانب واحد. بالنسبة للشركات، يجب الجمع بين الاستثمارات الخضراء (مستودعات فعالة، أسطول منخفض الكربون) وبرامج اجتماعية قوية. أما السلطات العامة، فيُقترح تقديم قروض خضراء وإعفاءات ضريبية، ووضع معايير قطاعية متوافقة مع الأطر الأوروبية، وبرامج تدريبية في مجال ESG. كما يُوصى بأن تدمج الوكالة المغربية لتنمية اللوجستيك (AMDL) معايير إلزامية للإبلاغ عن ESG، وأن يتبنى المخطط الوطني للوجستيك أهدافاً اجتماعية واضحة، وأن تعد الفيدرالية المغربية للنقل واللوجستيك أدوات ملائمة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
منهجية الدراسة: دقة علمية
اعتمدت الدراسة على استبيان إلكتروني وُزع بين يناير ومارس 2025 عبر الجمعيات المهنية والشبكات القطاعية ومجموعات لينكد إن. من أصل 300 استبيان، تم استرجاع 210 ردود صالحة (70%). شارك فيها مسؤولون لوجستيون (42%)، ووكلاء عمليات (27%)، ومحللون في سلسلة التوريد (18%)، وموظفون إداريون (13%). تم تحليل البيانات باستخدام نمذجة المعادلات الهيكلية (PLS-SEM)، وأكدت إعادة التقدير مع مراعاة حجم الشركة وعمرها ونوع نشاطها أن هذه المتغيرات غير معنوية.
خاتمة: نحو نموذج لوجستي مغربي متوازن
يُظهر هذا البحث أن الأداء الاجتماعي في اللوجستيك المغربي ليس مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية. ففي سوق تنافسية تتجه نحو المعايير الأوروبية، يصبح الاستثمار في الإنسان هو السبيل لتحقيق أداء بيئي مستدام. للمزيد من التحليلات الاقتصادية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. ولمعرفة المزيد عن مفهوم اللوجستيك الأخضر، يمكنكم الاطلاع على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك