قانون المالية 2027: اختبار حاسم في ظل غياب الحكومة
مع اقتراب موعد 20 أكتوبر، يجد مشروع قانون المالية 2027 نفسه في قلب عاصفة سياسية واقتصادية غير مسبوقة. فبعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، لم تتشكل الحكومة الجديدة بعد، بينما يفرض القانون التنظيمي للمالية إيداع المشروع في البرلمان قبل هذا التاريخ. هذا التوقيت الحرج يضع جميع الفاعلين أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على التوفيق بين الالتزامات الدستورية ومتطلبات المرحلة الانتقالية.
الإطار القانوني: ما الذي يفرضه أجل 20 أكتوبر؟
يحدد القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، في مادته 48، ضرورة إيداع مشروع القانون لدى مكتب مجلس النواب قبل 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية. لكن هذا الأجل ليس نهاية المطاف، بل بداية مسار تشريعي دقيق:
- عرض الوزير: يقدم وزير الاقتصاد والمالية المشروع في جلسة مشتركة للبرلمان.
- مناقشة وتصويت: تستغرق 58 يوماً موزعة بين 30 يوماً بمجلس النواب و22 يوماً بمجلس المستشارين، مع 6 أيام لقراءة ثانية.
- الطابع الاستراتيجي: إعداد ميزانية سنة كاملة يعد قراراً استراتيجياً بامتياز، مما يثير تساؤلات حول صلاحيات حكومة تصريف الأمور الجارية.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول ما إذا كانت الحكومة المنتهية ولايتها تملك حق اتخاذ خيارات مالية ملزمة للحكومة المقبلة، خاصة أن القانون التنظيمي 065.13 يمنعها من الدخول في اختيارات استراتيجية.
السياق السياسي: مشاورات تشكيل الحكومة وتأثيرها على قانون المالية 2027
لا تزال المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة مستمرة، مما يزيد من تعقيد المشهد. فالحزب الأول في الانتخابات، الأصالة والمعاصرة، حصل على 97 مقعداً من أصل 395، وقدم برنامجاً انتخابياً طموحاً يتضمن خمسة مواثيق و20 التزاماً، بكلفة إضافية تبلغ 350 مليار درهم بين 2027 و2031. ومن أبرز هذه الالتزامات:
- رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم.
- إلغاء الضريبة على الدخل للأجور التي تقل عن 15 ألف درهم شهرياً.
- رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم.
هذه الوعود تضع ضغطاً إضافياً على مشروع قانون المالية 2027، الذي أعدته حكومة أخنوش المنتهية ولايتها. فهل ستتمكن الحكومة الجديدة من إدخال تعديلات جوهرية تعكس التزاماتها، أم ستضطر إلى القبول بالصيغة الحالية؟
السيناريوهات المحتملة: بين التعديل الجزئي وإعادة الكتابة
تشير قراءات عديدة إلى أن السيناريو الأرجح هو التعديل الجزئي، نظراً لأن الأحزاب الثلاثة الأولى في الانتخابات هي نفسها مكونات الأغلبية المنتهية ولايتها، وبرامجها الانتخابية تتقاطع في كثير من النقاط مع توجهات المشروع الحالي. وهذا ما حدث في انتقال حكومي سابق عام 2021، عندما أودعت حكومة أخنوش مشروع قانون مالية 2022 مع تعديلات تعكس التزاماتها الانتخابية.
لكن يبقى احتمال إعادة الكتابة من الصفر وارداً، خاصة إذا تصاعدت المطالب الاجتماعية. فقد وجهت النقابة الوطنية للصحة التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل رسالة مفتوحة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، تطالب فيها بإدراج مطالب الشغيلة الصحية ضمن مشروع قانون المالية 2027. كما أن هناك ضغوطاً من جمعيات المجتمع المدني لإحداث وزارة ونظام لتقييم الإعاقة.
التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية 2027
وضعت الحكومة المنتهية ولايتها الإطار العام للمشروع، مستندة إلى أربع أولويات حددها رئيس الحكومة في المذكرة التوجيهية، تفعيلاً للتوجيهات الملكية في خطاب العرش 2026:
- توطيد المكتسبات الاقتصادية: لتعزيز مكانة المغرب ضمن البلدان الصاعدة.
- التأهيل الشامل للمجالات الترابية: وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية.
- مواصلة توطيد ركائز الدولة الاجتماعية: من خلال دعم الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
- مواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى: والحفاظ على توازنات المالية العمومية.
كما يركز المشروع على دعم الاستثمار المنتج والقطاعات التصديرية وتحسين مناخ الأعمال، بعد رفع توقعات النمو إلى 5.3% في 2026. وتشير التقديرات الأولية إلى أن قانون مالية 2026 قدر الموارد بنحو 712.6 مليار درهم مقابل نفقات بـ761.3 مليار درهم، أي بعجز في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي.
دروس من التجارب السابقة: 2016 و2021
تقدم التجارب السابقة نماذج بارزة للتعامل مع فترة الانتقال الحكومي. في 2016، أودعت حكومة بنكيران مشروع قانون مالية 2017 في 6 أكتوبر، قبل يوم من الانتخابات، لكن المصادقة النهائية لم تتم إلا في يونيو 2017 في ظل حكومة العثماني، أي بعد أكثر من خمسة أشهر من بداية السنة المالية. وفي 2021، أعد مشروع قانون مالية 2022 في عهد حكومة العثماني، ثم أودعته حكومة أخنوش في 18 أكتوبر 2021 مع تعديلات تعكس التزاماتها.
هذه التجارب تظهر أن التأخير في تشكيل الحكومة لا يعني بالضرورة تأخير المصادقة على القانون، لكنه يفرض تحديات كبيرة على الحكومة الجديدة التي يجب أن تتعامل مع مشروع أعدته سلفها.
الخلاصة: نحو مقاربة تشاركية لضمان الاستقرار المالي
في ظل هذه التحديات، يبدو أن الحل الأمثل هو اعتماد مقاربة تشاركية بين الحكومة المنتهية ولايتها والحكومة المقبلة، لضمان استمرارية السياسات المالية والاستجابة للمطالب الاجتماعية. ويبقى الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، المصدر الموثوق لمتابعة آخر تطورات قانون المالية 2027 والمشهد السياسي المغربي.
وفي النهاية، فإن نجاح قانون المالية 2027 يتوقف على قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز الخلافات وتقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك