عاجل

صادرات المغرب من الذكاء الاصطناعي: قصة نجاح إقليمية وتحديات التبني الداخلي

صادرات المغرب من الذكاء الاصطناعي: قصة نجاح إقليمية وتحديات التبني الداخلي

صادرات المغرب من الذكاء الاصطناعي: قاطرة النمو التكنولوجي في شمال إفريقيا

في تقريرها الاقتصادي الأخير حول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAAP)، صنّفت البنك الدولي المغرب إلى جانب تونس كأحد أبرز المصدرين الإقليميين للمنتجات التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. هذه المكانة تعكس تحولًا هيكليًا في الاقتصاد المغربي نحو قطاعات أكثر معرفة، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى اختراق هذه التقنيات للنسيج الإنتاجي المحلي.

أرقام تتحدث: أكثر من 5% من الصادرات المصنعة عالية التقنية

وفقًا لبيانات البنك الدولي، تجاوزت حصة المنتجات عالية التقنية 5% من إجمالي الصادرات المصنعة المغربية، متجاوزة بذلك المتوسط الإقليمي للاقتصادات النامية المستوردة للنفط، الذي انتقل من أقل من 2% في 2012 إلى حوالي 3.5% في 2024. هذا التقدم يضع المملكة في مرتبة متقدمة خلف تونس (التي تتجاوز 7%)، لكنه يسبق مصر وباكستان.

ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا الأداء يعكس استثمارات متراكمة في البنية التحتية الرقمية وتكوين الكفاءات، إضافة إلى سياسات تشجيع التصدير في قطاعات مثل الإلكترونيات والمكونات الرقمية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن صادرات المغرب من الذكاء الاصطناعي ساهمت بشكل ملموس في دعم النشاط الاقتصادي، خاصة في ظل تباطؤ قطاعات تقليدية.

تخصص إقليمي: المغرب وتونس في الصدارة

على مستوى شمال إفريقيا، يبرز المغرب وتونس كقوتين في تصدير المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما تتركز استثمارات دول الخليج مثل السعودية والإمارات على البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات. وتُعد هاتان الدولتان الخليجيتان الوحيدتين في المنطقة ضمن أفضل 25 دولة عالميًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وقدرات الحوسبة عالية الأداء.

هذا التمايز يعكس استراتيجيات مختلفة: فبينما تراهن دول الخليج على بناء بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعي، يركز المغرب وتونس على تصدير المنتجات والتطبيقات الذكية، مستفيدين من كفاءات بشرية مؤهلة وتكاليف تنافسية.

التبني الداخلي: فجوة بين التصدير والاستخدام المحلي

رغم هذا الزخم التصديري، تكشف بيانات مسح تكنولوجيا الأعمال لعام 2024 عن مفارقة لافتة: 98.8% من الشركات المغربية تستخدم أدوات رقمية أساسية، وثلثها تقريبًا يعتمد برمجيات متقدمة، لكن 4.3% فقط من المؤسسات تستخدم تحليل البيانات الضخمة أو الذكاء الاصطناعي، مقابل 40% تستخدم الحوسبة السحابية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أقل من نصف الشركات التي تبنت برمجيات متقدمة تستخدمها بشكل مكثف كأداة محورية في أنشطتها. وهذا يعني أن العائد على الإنتاجية لا يتحقق إلا عندما تدمج هذه التقنيات في صميم العمليات وليس على هامشها.

ويُعزى هذا التباطؤ في التبني الداخلي إلى عدة عوامل، أبرزها:

  • ارتفاع تكلفة التبني التكنولوجي، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
  • نقص المهارات المتخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
  • ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق.
  • غياب إطار تنظيمي محفز للاستثمار في التقنيات المتقدمة.

نحو استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي

لتحويل هذه المكانة التصديرية إلى نموذج تنموي شامل، يحتاج المغرب إلى استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تركز على تحفيز الطلب المحلي، وتشجيع الشركات على تبني هذه التقنيات، وتطوير المهارات الرقمية. وقد بدأت بعض المبادرات ترى النور، مثل إنشاء مراكز للذكاء الاصطناعي في الجامعات، وإطلاق برامج دعم للشركات الناشئة في هذا المجال.

كما يمكن للمغرب الاستفادة من تجارب دولية رائدة، مثل الذكاء الاصطناعي في سنغافورة أو إستونيا، حيث تم دمج هذه التقنيات في الخدمات الحكومية والقطاعات الإنتاجية بشكل واسع.

خلاصة: فرص واعدة وتحديات قائمة

إن تصدر المغرب لقائمة المصدرين الإقليميين في منتجات الذكاء الاصطناعي هو إنجاز يستحق الإشادة، لكنه لا يعكس بالضرورة اختراقًا عميقًا للذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الوطني. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الصادرات إلى محرك للإنتاجية والابتكار في جميع القطاعات. ولتحقيق ذلك، يجب على صناع القرار تبني سياسات تشجع الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، وتدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة لتبني هذه الحلول، وتعزز الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص.

في النهاية، يبقى السؤال: هل سيتمكن المغرب من تحويل ريادته التصديرية إلى نموذج تنموي مستدام؟ الإجابة تتطلب متابعة مستمرة وتقييمًا دوريًا للسياسات المتبعة. وللمزيد من التحليلات الاقتصادية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.