عاجل

فاطمة الزهراء المنصوري: من الرمزية التاريخية إلى إصلاحات مستدامة

فاطمة الزهراء المنصوري: من الرمزية التاريخية إلى إصلاحات مستدامة

فاطمة الزهراء المنصوري: من الرمزية التاريخية إلى إصلاحات مستدامة

مع تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة المغربية كأول امرأة تقود السلطة التنفيذية، يترقب الشارع المغربي مرحلة جديدة تحمل آمالاً كبيرة في تحقيق إصلاحات مستدامة تلامس هموم المواطنين اليومية. لم يعد السؤال عن رمزية الحدث بقدر ما أصبح عن قدرة هذه التجربة على ترجمة الوعود إلى واقع ملموس، وتحويل الرمز إلى إنجازات هيكلية تعيد الثقة في العمل الحكومي.

في هذا السياق، يرى محللون أن النجاح الحقيقي للمنصوري لن يقاس بعدد القرارات المتخذة، بل بمدى تأثيرها على حياة الناس. فالتحدي الأكبر يتمثل في بناء حكومة منسجمة تجمع بين الكفاءة السياسية والقدرة على التنفيذ، مع التركيز على أولويات اجتماعية ملحة مثل التشغيل، القدرة الشرائية، إصلاح التعليم والصحة، ومعالجة أزمة الماء.

أولوية الإصلاحات المستدامة في برنامج المنصوري

يشدد خبراء السياسات العامة على أن الإصلاحات المستدامة تتطلب تجاوز التدبير التقليدي للملفات إلى تدبير النتائج والأثر. وهذا يعني تحديد مؤشرات دقيقة لقياس التقدم في كل قطاع، وربط المسؤولية بالنتائج، وضمان انسجام السياسات القطاعية حتى لا تتعامل الحكومة مع المواطن كمنظومة واحدة.

وفي هذا الإطار، يقول محمد شهبي، باحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي، إن “المنصوري مطالبة باستثمار خبرتها في قضايا التعمير والسياسات الترابية لجعل العدالة المجالية محوراً مركزياً في برنامجها، من خلال تعزيز الخدمات العمومية في المناطق القروية والهامشية”. ويضيف أن “تحويل وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة إلى إصلاحات مستدامة يتطلب توسيع حضور النساء والكفاءات في مواقع القرار، مما يمكن أن يشكل تحولاً سياسياً ومؤسساتياً حقيقياً”.

من جهته، يرى مصطفى صغيري، دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، أن “التحدي الأساسي لن يكون في البعد الرمزي، بل في القدرة على تحويل هذا الحدث إلى تجربة مؤسساتية ناجحة وقابلة لقياس أثرها”. ويؤكد أن “الحكامة الحديثة لم تعد تقاس بعدد البرامج، وإنما بقدرتها على تحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن”.

العدالة المجالية: ركيزة أساسية للإصلاحات المستدامة

تعتبر العدالة المجالية أحد المداخل الرئيسية لتحقيق إصلاحات مستدامة، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية شاملة دون تقليص الفوارق بين الجهات. وتتجلى هذه العدالة في توفير الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وبنية تحتية في المناطق النائية، وتمكين الجماعات الترابية من وسائل فعلية للتدبير.

وفي هذا الصدد، يدعو صغيري إلى “الانتقال من تدبير الملفات إلى تدبير النتائج والأثر، وتحديد أولويات وطنية واضحة، مع وضع آجال ومؤشرات دقيقة للتقييم”. ويشير إلى أن “النجاعة الحكومية تقتضي تقوية آليات التقييم وربط المسؤولية بالنتائج، وضمان انسجام السياسات القطاعية”.

وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق العدالة المجالية يتطلب أيضاً تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة، وهو ما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة التي تسعى إليها الحكومة.

تحديات سياسية واقتصادية في طريق الإصلاحات المستدامة

لا يشتغل رئيس الحكومة في فراغ سياسي، بل يقود أغلبية تضم مكونات سياسية لها مرجعيات وأولويات مختلفة. ويشكل تحويل هذا التعدد إلى انسجام في القرار تحدياً كبيراً، يتطلب تقوية التنسيق داخل الأغلبية، وتوضيح المسؤوليات، واعتماد تواصل سياسي ومؤسساتي أكثر وضوحاً.

ويؤكد صغيري أن “التحدي الحقيقي أمام رئيسة الحكومة هو أن تجعل من الحكومة فريقاً مؤسساتياً متجانساً في القرار، وإن كان متعدداً في المرجعيات السياسية، وأن تتحول السابقة التاريخية إلى نموذج في القيادة والحكامة والنجاعة”.

على الصعيد الاقتصادي، تواجه الحكومة ملفات شائكة مثل ارتفاع الأسعار، وندرة المياه، وضرورة إصلاح منظومتي التعليم والصحة. وهذه الملفات تتطلب قرارات جريئة واستثمارات مستدامة، مع إشراك فعال لمختلف الفاعلين.

نحو نموذج قيادة جديد: الكفاءة والوضوح والتقييم

لم يعد كافياً أن تكون المرأة على رأس الحكومة لتحقيق التغيير، بل يجب أن تقدم نموذجاً في القيادة يقوم على الفعالية والوضوح والتقييم وربط القرار العمومي بأثره الاجتماعي والاقتصادي. وهذا ما ينتظره المواطن المغربي من تجربة المنصوري.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الإصلاحات المستدامة التي تنشدها المنصوري تحتاج إلى إرادة سياسية قوية، ورؤية استراتيجية واضحة، وآليات تنفيذ فعالة. كما تحتاج إلى دعم شعبي واسع، وإلى شراكة حقيقية بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

للمزيد من التحليلات السياسية، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

في الختام، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل الرمزية التاريخية إلى واقع ملموس، وتحويل التحديات إلى فرص، وجعل من تجربة المنصوري نموذجاً يحتذى به في القيادة النسائية والحكامة الرشيدة. وهذا ما سيقيسه التاريخ، وليس فقط عدد القرارات أو الخطابات.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.