عقبات التسوية في الصحراء المغربية: بين المرجعية الأممية والحسابات الأمريكية
في تطور يعكس تعقيد ملف الصحراء المغربية، كشف ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، عن عقبات التسوية في الصحراء المغربية خلال إحاطة مغلقة لمجلس الأمن الدولي. وأشار إلى أن استمرار انعدام الثقة بين الأطراف وخرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 1991 يشكلان العائقين الرئيسيين أمام أي تقدم ملموس في المسار السياسي. يأتي هذا في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لتجديد ولاية بعثة المينورسو، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على دفع التسوية قدماً.
خلفية النزاع وتطوراته الأخيرة
يعود نزاع الصحراء المغربية إلى عقود مضت، لكنه شهد تحولات جوهرية منذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي منح العملية السياسية زخماً جديداً. وتشير التقارير الأممية المتعاقبة، بما فيها تقرير الأمين العام أنطونيو غوتيريش الصادر في أكتوبر 2026، إلى أن الوضع الميداني لا يزال هشاً رغم انخفاض حدة الأعمال العدائية. وتؤكد الوثائق الأممية على أهمية مواصلة الجهود السياسية وتفادي أي أعمال من شأنها تقويضها، مع الإشارة إلى الدعم الدولي المتزايد لحل سياسي واقعي يقوم على مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
عقبات التسوية في الصحراء المغربية: تحليل معمق
حدد دي ميستورا عقبتين رئيسيتين تعيقان التقدم: الأولى تتعلق بحوادث إطلاق النار وعدم الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، والثانية تتمثل في انعدام الثقة المزمن بين الأطراف. هذه العقبات ليست جديدة، لكنها تكتسب أهمية خاصة في ظل اقتراب موعد تجديد ولاية المينورسو في 31 أكتوبر 2026. ويشير المحللون إلى أن استمرار هذه العقبات يعكس مفارقة واضحة: فبينما يُدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، لا يزال أحد الأطراف يواصل عملياته العسكرية على الأرض، مما يضع المسار التفاوضي أمام تحديات وجودية.
وفي هذا السياق، يبرز دور الصحراء المغربية كقضية محورية في العلاقات الدولية، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية. وقد أكد دي ميستورا على أهمية بناء الثقة على المدى القصير، بالتوازي مع معالجة الإشكالات الميدانية، مشدداً على أن تهيئة الظروف الملائمة للتفاوض تقتضي مواكبة المساعي السياسية بإجراءات تحد من التوتر.
الوساطة المشتركة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة
يكشف التنسيق الوثيق بين دي ميستورا والإدارة الأمريكية عن تحول استراتيجي في إدارة النزاع. فبينما يحرص الأمين العام غوتيريش على الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة، يبدو أن المبعوث الشخصي يعتمد على الدعم الأمريكي لتجاوز العقبات. وقد تجلى هذا التعاون في الجولات الثلاث التي احتضنتها واشنطن ومدريد مطلع العام الجاري، برئاسة مشتركة مع السفير الأمريكي مايك والتز، وبإشراف المستشار الرئاسي مسعد بولس.
ويرى مراقبون أن هذه الشراكة تعكس تقسيمًا للأدوار: غوتيريش يلعب دور الحارس القانوني الذي يضمن شرعية الأمم المتحدة، بينما يتولى دي ميستورا دور المهندس العملي الذي ينسق مع واشنطن لصياغة تصور اتفاق إطاري يشمل مرحلة انتقالية ومجلساً انتقالياً. هذا التكامل الوظيفي يثير تساؤلات حول حدود استقلالية القرار الأممي، لكنه في الوقت ذاته يوفر آلية عملية لدفع الأطراف نحو التفاوض.
موقف المغرب والجهود الدبلوماسية
يتمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي كأساس لأي حل سياسي، وقد حظيت هذه المبادرة بدعم دولي متزايد. وتؤكد الوثائق الأممية، بما فيها الفقرة 15 من تقرير غوتيريش، على أن الحكم الذاتي يشكل إطاراً واقعياً وجدياً. كما يرحب المغرب بأي حل سياسي يحترم سيادته ووحدته الترابية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وفي هذا الإطار، تلعب الدبلوماسية المغربية دوراً محورياً في حشد الدعم الدولي، مستندة إلى قرارات مجلس الأمن المتعاقبة منذ 2007. وقد أثمرت هذه الجهود عن اعتراف متزايد من قوى كبرى بأن مبادرة الحكم الذاتي هي الحل الأكثر واقعية وموثوقية.
التحديات المقبلة وأفاق الحل
مع اقتراب مجلس الأمن من مناقشة تجديد ولاية المينورسو، تبرز عدة تحديات:
- ضمان وقف إطلاق النار بشكل كامل: يعد شرطاً أساسياً لاستمرار البعثة الأممية.
- بناء الثقة بين الأطراف: يتطلب مبادرات ملموسة لبناء الثقة، خاصة في المجال الإنساني.
- تجاوز الحسابات الإقليمية: يجب ألا يخضع الملف للمساومات التي تعرقل التسوية.
- تعزيز دور المينورسو: هناك حاجة لتوسيع مهامها لتشمل مراقبة وقف إطلاق النار ودعم المسار السياسي.
ويشير المحللون إلى أن هامش المناورة أصبح أضيق في ظل وجود إطار قانوني أممي واضح يستبعد الخيارات غير الواقعية. كما أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بتفاصيلها الشاملة التي تغطي تقرير المصير والمشاركة وتدبير المرحلة الانتقالية وتقاسم الموارد والمصالحة، توفر أرضية خصبة للتوافق.
خلاصة: نحو تسوية سياسية دائمة
إن عقبات التسوية في الصحراء المغربية ليست مستعصية على الحل، لكنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف. ويبقى الأمل معقوداً على استمرار الوساطة الأممية-الأمريكية المشتركة، التي أثبتت قدرتها على جمع الأطراف على طاولة المفاوضات. ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذه الوساطة على تحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى خطوات ملموسة نحو تسوية سياسية دائمة ومقبولة، تحفظ سيادة المغرب ووحدته الترابية.
لمزيد من التحليلات والتطورات حول هذا الملف، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك