تطوير قاعدة صناعية محلية في الطيران المغربي: من التجميع إلى الابتكار
على مدى العقدين الماضيين، تمكن المغرب من ترسيخ مكانته كوجهة رئيسية في سلاسل توريد صناعة الطيران العالمية. لكن الطموح اليوم يتجاوز حدود التجميع والمناولة، ليتجه نحو تطوير قاعدة صناعية محلية في الطيران المغربي قادرة على المنافسة في مجالات الهندسة والتصميم والابتكار. هذا التحول الاستراتيجي يفتح آفاقاً جديدة أمام الشركات المغربية، لا سيما الصغيرة والمتوسطة، للاندماج في حلقات قيمة أعلى.
في حوار لها مع جريدة “لوماتان”، سلطت منية بوكيتة، الخبيرة في السياسات الصناعية والزميلة البارزة بمركز السياسات للجنوب الجديد، الضوء على العوامل التي مكنت القطاع من النمو، والتحديات التي تعترض الانتقال إلى نموذج أكثر استدامة. وتشير إلى أن الإنجازات الحالية ليست سوى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر تعقيداً تتطلب استثماراً مكثفاً في الرأسمال البشري والتكنولوجيا.
الركائز الأربع لصعود الطيران المغربي
تعود جذور النجاح إلى أربعة عوامل هيكلية. أولاً، التوجيه الملكي السامي منذ 2005 الذي أدرج الطيران ضمن المهن العالمية للمغرب، وواكبه إطار تحفيزي متكامل. ثانياً، نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي تجسد في إدارة منصات صناعية مثل “ميدبارك” ومعهد مهن الطيران (IMA). ثالثاً، الاستثمار في الكفاءات البشرية عبر تكوينات مصممة خصيصاً لتلبية متطلبات الشركات العالمية. رابعاً، استغلال إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية بعد جائحة كوفيد-19، حيث برز المغرب كبديل موثوق بفضل استقراره السياسي واتفاقياته التجارية.
هذه العوامل مجتمعة جعلت المملكة تحتضن أكثر من 140 شركة طيران، وتصدر مكونات لطائرات بوينغ وإيرباص. لكن السؤال الملح: هل يكفي هذا للانتقال إلى مصاف الدول المصنعة؟
نحو نموذج صناعي أكثر عمقاً: تجاوز المناولة
تشير بوكيتة إلى أن الاستثمارات الأخيرة في تجميع المحركات وتصنيع الأنظمة المعقدة تمثل “قفزة نوعية”، لكنها تحذر من أن التحول من منصة تنافسية من حيث التكلفة إلى منصة مبتكرة يتطلب سياسات داعمة للبحث والتطوير. وتضرب مثالاً بمبادرة “المركز الأفريقي للتميز الصناعي” (ACME) الذي أطلقته جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) بشراكة مع عمالقة مثل بوينغ وإيرباص ولوكهيد مارتن وسافران. هذا المركز، الذي يوجد في النواصر، يهدف إلى تطوير تقنيات التصنيع المتقدم وتوطينها، مما يعزز تطوير قاعدة صناعية محلية في الطيران المغربي.
وتضيف أن التنويع نحو قطاعات مجاورة كالدفاع والاتصالات والصحة والبيئة يمنح القطاع مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الطلب على النقل الجوي. وتؤكد أن التقارب مع صناعات الدفاع يمكن أن يخلق فرصاً لتوطين تكنولوجيات حساسة وتعزيز السيادة الوطنية.
دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في تعميق النسيج الصناعي
ترى بوكيتة أن اندماج الشركات المغربية في سلاسل القيمة العالمية لا يضمن تلقائياً زيادة القيمة المضافة المحلية. وتشدد على أن نجاح السياسة الصناعية يقاس بمدى تعقيد الوظائف الصناعية المنفذة وليس فقط بعدد الشركات أو حجم الصادرات. وتقترح ثلاثة محاور لتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة:
- التخصص في مهن عرضية: مثل معالجة وإصلاح المواد المركبة والسبائك الخفيفة، وهي مهارات مطلوبة في الطيران وقطاعات أخرى كالسيارات والطاقة.
- الرقمنة التعاونية: إنشاء منصات مشتركة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة والمقاولين والجامعات لتبادل أدوات الهندسة المتقدمة والتوأمة الرقمية، مما يقلل تكاليف الولوج إلى التكنولوجيا.
- مواكبة الاعتماد والجودة: تقديم الدعم للشركات الصغيرة والمتوسطة في عمليات الشهادات والاعتماد الصناعي، وهو شرط أساسي للتعامل مع كبار المصنعين.
كما تدعو إلى تشجيع المشاريع المشتركة مع شركاء دوليين، بشرط أن تؤدي إلى نقل حقيقي للمعرفة، وإلى توفير آليات تمويل مبتكرة مثل رأس المال المخاطر وصناديق الاستثمار المتخصصة.
آفاق وتحديات
رغم التفاؤل، تواجه مسيرة تطوير قاعدة صناعية محلية في الطيران المغربي تحديات عدة، أبرزها الحاجة إلى مزيد من الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير بنية تحتية للتجارب والاختبارات، وتنمية مهارات هندسية عالية. وتشير بوكيتة إلى أن الجامعات ومراكز البحث يجب أن تلعب دوراً محورياً في هذا التحول، عبر إدماج برامجها مع احتياجات الصناعة.
في الختام، يبدو أن المغرب يمتلك مقومات النجاح، لكن الانتقال إلى مصاف الدول المصنعة يتطلب إرادة سياسية قوية، وشراكات استراتيجية، واستثماراً طويل الأمد في الإنسان والتكنولوجيا. ولمتابعة آخر مستجدات الاقتصاد المغربي، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
للمزيد عن صناعة الطيران، يمكن الاطلاع على صناعة الطيران على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك