عاجل

صناعة الطائرات في المغرب: من التجميع إلى تصنيع المحركات و 5 مليارات دولار صادرات

صناعة الطائرات في المغرب: من التجميع إلى تصنيع المحركات و 5 مليارات دولار صادرات

صناعة الطائرات في المغرب: قصة صعود نحو القمة العالمية

لم يعد قطاع صناعة الطائرات في المغرب مجرد ورشة لتجميع الأسلاك، بل أصبح اليوم أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومنصة استراتيجية للشركات العالمية الكبرى. فبعد عقدين من الاستثمار في الكفاءات والبنية التحتية، تمكن المغرب من حجز مقعد في النادي المغلق لصناعة الطيران العالمية، مسجلاً أرقاماً قياسية في الصادرات وجذب الاستثمارات. وتتويجاً لهذا المسار، احتضنت مراكش الدورة الثامنة من معرض Marrakech Airshow، حيث أعلنت شركات عالمية عن مشاريع نوعية ستنقل المملكة من طور التجميع إلى طور التصنيع والابتكار.

أرقام قياسية تعكس دينامية القطاع

تشهد صناعة الطائرات في المغرب نمواً متسارعاً، مدعومة بثقة كبار المصنعين العالميين. وتتجلى هذه الدينامية في الأرقام التالية:

  • الصادرات: بلغت 29.087 مليار درهم في سنة 2025، مقابل 26.446 مليار درهم في 2024، أي بنمو سنوي قدره 10%. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، سجلت الصادرات 22.969 مليار درهم، بزيادة 21.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
  • الشركات: يضم النسيج الصناعي حوالي 160 شركة عاملة في مجالات التجميع، والأنظمة الكهربائية، والمكونات الدقيقة.
  • التشغيل: يوفر القطاع ما يقارب 25.000 فرصة عمل مباشرة، مع إعلان 950 وظيفة جديدة في يوم واحد خلال المعرض.
  • الاستثمارات: مشاريع جديدة لتجميع محركات الطائرات في الدار البيضاء، ومصنع لتصنيع أجهزة الهبوط (Trains d’atterrissage)، بالإضافة إلى مشروع بحثي يجمع بوينغ وإيرباص ولوكهيد مارتن على الأراضي المغربية.

هذه المؤشرات تضع المغرب في موقع متقدم ضمن سلاسل الإنتاج العالمية، وتؤكد نجاح السياسة الصناعية التي انطلقت منذ أكثر من عشرين سنة.

من التجميع إلى التصنيع: التحول الاستراتيجي

لم يعد المغرب راضياً بدور المورد التقليدي، بل يسعى لأن يصبح فاعلاً في تصميم وتطوير الأنظمة المعقدة. وقد أكد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، خلال افتتاح المعرض، أن “الصناعة تعرف تحولاً متسارعاً في سياق يتميز بطلب عالمي قوي على المنتجات المدنية والدفاعية”، مشيراً إلى أن القدرات المتراكمة تسمح للمغرب اليوم بالانتقال إلى تصنيع وتصميم أنظمة معقدة.

ويعد مشروع تجميع محركات الطائرات في الدار البيضاء خطوة نوعية في هذا التحول، إذ سيمكن المغرب من ولوج نادي الدول القليلة القادرة على تصنيع محركات الطائرات، مما يعزز مكانته في سلسلة القيمة العالمية. كما أن مشروع مصنع أجهزة الهبوط سيوفر منتجات عالية التقنية كانت حكراً على دول محدودة.

شراكات عالمية تعزز موقع المغرب

تعد الشراكات مع عمالقة الصناعة العالمية حجر الزاوية في تطور صناعة الطائرات في المغرب. فشركة إيرباص، على سبيل المثال، حاضرة في المملكة منذ 1951، وتشغل حوالي 1.200 موظف مباشر، وتتعامل مع أكثر من 100 مورد محلي، مما يخلق نظاماً بيئياً يوفر أكثر من 10.000 وظيفة مؤهلة. وتنتج إيرباص في المغرب هياكل الطائرات والمواد المركبة والأنظمة الإلكترونية، وتعتزم توسيع تعاونها مع الجامعات المغربية.

وفي تصريح لوكالة رويترز، أشار محمد بلاتيق، المسؤول عن المجموعة المهنية لصناعات الطيران والفضاء المغربية (GIMAS)، إلى أن القطاع يطمح لتحقيق 5 مليارات دولار من الصادرات السنوية في غضون ثلاث سنوات، مقابل حوالي 3 مليارات دولار في 2025. هدف طموح لكنه يبدو قابلاً للتحقيق بالنظر إلى وتيرة النمو الحالية.

ولم تقتصر المشاركة على إيرباص وبوينغ، بل حضرت أيضاً شركات كبرى مثل لوكهيد مارتن، وتاليس، وإمبراير، مما يعكس الثقة الدولية في القدرات المغربية. كما شهد المعرض حضور وفود مدنية وعسكرية رفيعة المستوى، مع مشاركة بارزة لدولة الإمارات العربية المتحدة كشريك استراتيجي.

التحديات والرهانات المستقبلية

رغم الإنجازات، تواجه صناعة الطائرات في المغرب تحديات عدة، أبرزها ضرورة تطوير قاعدة صناعية محلية قادرة على المنافسة في مجالات الهندسة والتصميم المشترك. وفي هذا السياق، أكدت منية بوكطة، الخبيرة في سياسات الصناعة، أن “مستقبل القطاع سيتحدد أيضاً في قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة الوطنية على الولوج إلى الهندسة والتصميم المشترك والأسواق الدولية”.

ويبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من اقتصاد التجميع إلى اقتصاد الابتكار، وهو ما يتطلب استثماراً مكثفاً في البحث والتطوير وتكوين الكفاءات. وقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر من خلال مشروع البحث الذي يجمع بوينغ وإيرباص ولوكهيد مارتن في المغرب، والذي سيركز على تقنيات متقدمة في مجال الطيران.

خاتمة: نحو آفاق جديدة

بعد عشرين سنة من البناء المتدرج، أصبحت صناعة الطائرات في المغرب نموذجاً يحتذى به في السياسات الصناعية الناجحة. ومن خلال الجمع بين الاستثمار الأجنبي، وتطوير الكفاءات المحلية، والشراكات الاستراتيجية، تمكن المغرب من الانتقال من الهامش إلى المركز. ومع الطموح إلى 5 مليارات دولار من الصادرات في أفق 2029، يبدو أن المملكة ماضية في طريقها لتصبح قطبا صناعياً وتكنولوجياً رائداً في صناعة الطيران العالمية.

للمزيد من الأخبار الاقتصادية والتحليلات، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.