مشروع قانون المالية 2027: اختبار دستوري حاسم لحكومة المنصوري
مع اقتراب الموعد الدستوري لإيداع مشروع قانون المالية 2027 في 20 أكتوبر، تجد الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام اختبار مزدوج: احترام الآجال الدستورية ومواءمة المشروع مع التزاماتها السياسية. هذا التوقيت الحرج يضع مشروع قانون المالية 2027 وتحديات الحكومة الجديدة في قلب النقاش العام، خاصة مع تشكيل تحالف رباعي يضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
وفقًا للمادة 48 من القانون التنظيمي 130.13، يجب إيداع مشروع القانون المالي بالأسبقية في مكتب مجلس النواب قبل 20 أكتوبر. هذا الالتزام الدستوري لا يحتمل التأجيل، حتى لو كانت الحكومة لم تنصب رسميًا بعد. وتشير المعطيات إلى أن المذكرة التوجيهية أُعدت في 5 غشت 2026 من طرف رئيس الحكومة المنتهية ولايته عزيز أخنوش، مما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمتها لبرنامج الحكومة الجديدة.
الفرضيات الاقتصادية تحت المجهر: بين الواقع والتفاؤل
اعتمدت المذكرة التوجيهية لمشروع قانون المالية 2027 فرضيات نمو بنسبة 4.1% وتضخم في حدود 2%، مع محصول حبوب يصل إلى 70 مليون قنطار وسعر للنفط عند 70 دولارًا للبرميل. لكن هذه الأرقام تبدو متفائلة مقارنة بالواقع الدولي، حيث تتجاوز العقود الآجلة لخام برنت 100 دولار للبرميل مع بداية أكتوبر 2026. هذا التناقض يضع الحكومة أمام مسؤولية تقديم توقعات أكثر واقعية، خاصة أن المادة 10 من القانون التنظيمي تفرض صدق مجموع الموارد والتكاليف.
في هذا السياق، يبرز سؤال محوري: هل يمكن بناء ميزانية على فرضيات قد لا تتحقق؟ الإجابة تكمن في هامش التعديل الذي تتيحه القوانين المالية التعديلية. وكما أوضح جواد لعسري، أستاذ التشريع المالي بجامعة المحمدية، فإن “الحكومة تمتلك كامل الصلاحيات لإدخال تعديلات، سواء عبر مقترحات أحزاب الأغلبية أو بمبادرة منها قبل الإيداع”. هذا المرونة الدستورية تمنح الحكومة الجديدة فرصة لتكييف المشروع مع برنامجها.
التحديات الدستورية: بين الالتزام والمرونة
يشكل القانون التنظيمي للمالية جزءًا لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية، وفقًا لما أكده الخبراء. أي مخالفة لأحكامه تعتبر خرقًا صريحًا للدستور. ومع ذلك، فإن الآجال الدستورية ليست عقبة مطلقة، إذ يمكن للحكومة أن تتعامل معها بذكاء. على سبيل المثال، يمكن إيداع المشروع في 20 أكتوبر بالصيغة الجاهزة، ثم إدخال تعديلات لاحقة عبر مسار تشريعي عادي. هذا الطرح يخفف الضغط ويحول الأزمة إلى فرصة لتعزيز التوافق السياسي.
من جهة أخرى، يرى عبد الرزاق الهيري، أستاذ المالية بجامعة فاس، أن المذكرة التوجيهية “ملزمة إداريًا في مرحلة التحضير فقط”، ولا تقيد الحكومة الجديدة سياسيًا. هذا الرأي يفتح الباب أمام إعادة صياغة الأولويات، مثل تعزيز الدولة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية، وهي أهداف وردت في المذكرة لكنها تحتاج إلى ترجمة فعلية في بنود المشروع.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية: نظرة استشرافية
يتوقع أن يركز مشروع قانون المالية 2027 على دينامية الأنشطة غير الفلاحية، دون اللجوء إلى مداخيل استثنائية. لكن هذا التوجه قد يتأثر بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لذلك، يجب على الحكومة أن تتبنى سياسات مرنة لمواجهة الصدمات الخارجية، مثل تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الإنتاج المحلي.
علاوة على ذلك، هناك توقعات شعبية كبيرة بتحسين القدرة الشرائية وخفض أسعار المواد الاستهلاكية. وقد عبرت تعليقات المواطنين عن استيائهم من ارتفاع أسعار المحروقات وغياب الشفافية في تمويل المشاريع الكبرى. لذا، سيكون من الحكمة أن يتضمن المشروع إجراءات ملموسة لدعم الفئات الهشة، مثل زيادة الدعم المباشر أو تخفيض الضرائب على المواد الأساسية.
خيارات الحكومة: بين الإيداع السريع والتعديل التدريجي
أمام هذه التحديات، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة:
- الإيداع السريع مع التعديل اللاحق: وهو الخيار الأكثر واقعية، حيث يتم إيداع المشروع في 20 أكتوبر بالصيغة الحالية، ثم تعديله عبر قوانين مالية تعديلية أو مقترحات برلمانية.
- تأجيل الإيداع: وهو خيار غير دستوري وقد يعرض الحكومة للمساءلة.
- إعادة كتابة المشروع: وهو أمر مستبعد بسبب ضيق الوقت، لكنه ممكن إذا توافقت الأحزاب على رؤية جديدة.
في هذا الإطار، يبقى الحل الأمثل هو الجمع بين احترام الآجال الدستورية وضمان مشاركة فعالة للأحزاب في صياغة التعديلات. وهذا ما أشار إليه أحد المعلقين بضرورة “الإسراع في تشكيل الحكومة وتعيينها لضمان الاستمرارية”.
خلاصة: نحو مالية 2027 أكثر واقعية
إن مشروع قانون المالية 2027 ليس مجرد وثيقة محاسبية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الجديدة على الموازنة بين الالتزامات الدستورية والتطلعات الشعبية. ومن خلال تبني مقاربة تشاركية ومرنة، يمكن تحويل هذا الاستحقاق إلى فرصة لتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات. ولمتابعة آخر التطورات حول هذا الموضوع، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
وفي الختام، يبقى الرهان الأكبر هو ضمان صدقية الفرضيات الاقتصادية وتجنب الأخطاء السابقة، مع التركيز على التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. وهذا ما ينتظره المغاربة من حكومة المنصوري.
التعليقات (0)
اترك تعليقك