مقدمة: لحظة حاسمة في المشهد السياسي المغربي
في خضم التحولات السياسية التي يشهدها المغرب، يبرز النقاش حول معايير اختيار الوزراء في المغرب كأحد أهم القضايا التي تستحوذ على اهتمام المراقبين والمحللين. فمع تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، تتجدد التساؤلات حول الأسس التي يجب أن تحكم اختيار الفريق الحكومي، خاصة في ظل ظرفية وصفها الملك محمد السادس بـ”الاستثنائية والحافلة بالفرص التي قد لا تتكرر”.
ويأتي هذا النقاش في وقت حساس، حيث تواجه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية متشابكة، تتطلب قيادات سياسية قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية. وفي هذا السياق، يرى حكيم بن شماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، أن معايير اختيار الوزراء في المغرب لا يمكن أن تختزل في التوازنات الحزبية وحدها، بل يجب أن تمتد لتشمل الكفاءة المهنية والقدرة على القيادة والتأثير.
التوازنات الحزبية: ضرورة أم عائق؟
لا يمكن إنكار أن تشكيل أي حكومة في نظام ديمقراطي تعددي يستلزم مراعاة التوازنات الحزبية، وهذا أمر طبيعي في ظل العمل الائتلافي. غير أن الإشكال يطرح عندما تستحوذ هذه الحسابات على كامل المشهد، على حساب معايير أخرى لا تقل أهمية. فالمكانة الحزبية، مهما كانت معتبرة، لا تشكل ضمانة كافية لتولي حقيبة وزارية تتطلب معرفة دقيقة وشجاعة في القرار.
ويشير بن شماش في مقاله إلى أن “الوزير الذي نحتاجه اليوم ينبغي أن يعرف كيف يختار، وكيف يحسم، وأن تكون له سلطة معنوية ومهنية داخل قطاعه”. وهذه الصفات لا تتأتى بالضرورة من الانتماء الحزبي، بل من مزيج من الخبرة والتكوين والرؤية الاستراتيجية.
الكفاءة التقنية وحدها لا تكفي
من الأخطاء الشائعة في النقاش حول معايير اختيار الوزراء في المغرب الاعتقاد بأن الخبرة التقنية في تدبير قطاع ما تؤهل تلقائياً لتولي المسؤولية السياسية. فالإدارة تختلف عن السياسة، والوزير ليس مجرد مدير تنفيذي، بل هو صانع قرار سياسي يواجه ضغوطاً متعددة.
يوضح بن شماش أن الوزير قد يضطر إلى “مراجعة سياسة قائمة، أو مواجهة مصالح وقوى تعرقل إصلاحاً، أو الدفاع أمام البرلمان والمجتمع عن قرار لا يحظى بشعبية فورية”. وهذه المهام تتطلب مهارات سياسية وقيادية لا تقل عن الكفاءة التقنية.
دروس من تجربة الحكومة السابقة
تقدم تجربة الحكومة المنتهية ولايتها دروساً قيّمة حول أهمية القيادة السياسية. فرغم توفرها على أغلبية برلمانية مريحة واستقرار سياسي، لم تنجح في تسريع بعض الإصلاحات الهيكلية، وعلى رأسها ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. ويشير بن شماش إلى أن الجهاز القيادي لهذا الورش لم يجتمع سوى مرة واحدة طيلة الولاية الحكومية، رغم أن الميثاق الوطني للاتمركز يلزمه بالاجتماع كل ثلاثة أشهر على الأقل.
هذا التقاعس يعكس فجوة بين توفر الإرادة السياسية المعلنة وضعف التنفيذ الفعلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى الأغلبية المريحة إذا لم تترجم إلى إنجازات ملموسة.
الاختيار الخاطئ: تكلفة باهظة على الإصلاح
في ظرفية تتسم بسرعة التحولات العالمية، يصبح الزمن عاملاً حاسماً في المنافسة بين الدول. والاختيار الخاطئ للوزراء قد يكلف البلاد فرصاً تاريخية، خاصة في مجالات مثل الطاقة المتجددة والرقمنة والصناعة. فالمستثمرون الدوليون لا ينتظرون اكتمال الإصلاحات المؤسساتية، والفرص التي تتيحها إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية قد لا تتكرر.
لذلك، فإن معايير اختيار الوزراء في المغرب يجب أن تأخذ بعين الاعتبار القدرة على اتخاذ القرارات السريعة والحاسمة، والقدرة على قيادة الإدارة وتجاوز البيروقراطية، والقدرة على التواصل مع المجتمع وإقناعه.
نحو معايير أكثر شمولاً
بناءً على ما سبق، يمكن اقتراح مجموعة من المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار الوزراء في المغرب:
- الكفاءة المهنية: خبرة مثبتة في المجال المعني، مع سجل حافل بالإنجازات.
- القدرة القيادية: مهارات في إدارة الفرق واتخاذ القرارات الصعبة.
- النزاهة والشفافية: سمعة طيبة وعدم وجود شبهات فساد.
- الرؤية الاستراتيجية: القدرة على التخطيط بعيد المدى ومواكبة التحولات.
- التواصل الفعال: القدرة على التفاعل مع البرلمان والرأي العام.
- الانسجام مع البرنامج الحكومي: الالتزام بأهداف الحكومة وروح الفريق.
وتشكل هذه المعايير مجتمعة ضمانة أكبر لنجاح الحكومة في مهامها، بعيداً عن المحاصصة الضيقة التي قد تضعف الأداء الحكومي.
التحديات الاجتماعية: لا إصلاح دون استقرار
لا يمكن الحديث عن معايير اختيار الوزراء في المغرب بمعزل عن التحديات الاجتماعية التي تواجه البلاد. فقد أظهرت احتجاجات الشباب خلال السنة الماضية أن قطاعات واسعة من المجتمع لا تقيس التقدم الوطني بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بفرص العمل والخدمات الصحية والتعليمية والإحساس بالإنصاف.
وهنا يبرز دور الأحزاب السياسية في التأطير والوساطة، وهو دور لا يمكن أن تعوضه الإدارة أو الدولة. فالأحزاب مطالبة بأن تكون قريبة من المواطنين، تلتقط إنذاراتهم وتترجم مطالبهم إلى سياسات عمومية.
خلاصة: نحو حكومة في مستوى الطموح الوطني
في النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو تشكيل حكومة قادرة على تحويل الفرص التاريخية إلى مكتسبات واقعية. وهذا يتطلب اختيار وزراء يجمعون بين الكفاءة والقيادة والنزاهة، ويعملون ضمن مشروع حكومي متماسك. وكما يقول بن شماش، “الخطأ في اختيار من يقود المرحلة قد يكون أفدح من الخطأ في تدبير أحد مشاريعها”.
ولذلك، فإن النقاش حول الحكومة يجب أن يبدأ من برنامجها وقدرتها على القيادة، لا من الأسماء والحقائب. وهذا هو المدخل الحقيقي لإصلاح سياسي يلبي تطلعات المغاربة. وللمزيد من التحليلات السياسية، يمكن متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
وفي الختام، تبقى معايير اختيار الوزراء في المغرب قضية محورية تحدد ملامح المرحلة المقبلة. فالمغرب الذي بلغ هذا الأفق من الطموح يستحق حكومة تدرك أن ما بين أيديها يتجاوز عمر ولايتها، وأن المسؤولية هي عن فرصة من فرص التاريخ.
التعليقات (0)
اترك تعليقك