ميثاق الأغلبية الحكومية في المغرب: نحو تأطير قانوني للتحالفات الحزبية
في سياق النقاش المتزايد حول حدود التعددية الحزبية وأثرها على مردودية العمل الحكومي، برزت مؤخرا دعوة أكاديمية إلى تقنين ميثاق الأغلبية الحكومية في المغرب، باعتباره آلية كفيلة بضبط العلاقة بين الأحزاب المتحالفة وتقليص مساحات التوتر التي قد تعصف بالائتلاف في منتصف الولاية التشريعية. هذه الدعوة لم تأت من فراغ، بل جاءت تتويجا لبحث جامعي معمق أنجزه الباحث محمد بنزهرة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بطنجة، تحت إشراف الدكتور عبد السلام العنصري.
وتكمن أهمية هذا الطرح في كونه ينتقل بالنقاش من مستوى التوصيف السياسي إلى مستوى الهندسة المؤسساتية، إذ يقترح تحويل الالتزامات الشفهية والأعراف السياسية التي تحكم الأحزاب المشاركة في الحكومة إلى قواعد مكتوبة وقابلة للتنفيذ، وهو ما يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لطريقة تدبير الائتلافات في المغرب. ولمتابعة مستجدات الشأن السياسي المغربي، يمكن الرجوع إلى الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
لماذا لا تكفي الأغلبية العددية وحدها؟
ينطلق الباحث من قناعة أساسية مفادها أن امتلاك أغلبية مريحة داخل قبة البرلمان لا يشكل ضمانة كافية لاستمرارية العمل الحكومي بوتيرة مستقرة. فالتجربة المغربية، شأنها شأن العديد من التجارب المقارنة، أظهرت أن الائتلافات التي تتشكل على أساس حسابي بحت سرعان ما تتعرض لاهتزازات بسبب غياب رؤية مشتركة أو بسبب تضارب الأولويات بين مكوناتها.
وفي هذا الإطار، يقترح البحث جملة من الركائز التي ينبغي أن يقوم عليها أي ائتلاف حكومي متين:
- برنامج سياسي مشترك محدد الأولويات ومرتبط بجدول زمني واضح.
- التزامات متبادلة مكتوبة بين الأحزاب الشريكة تحدد حقوق وواجبات كل طرف.
- قواعد صريحة لتنسيق المواقف داخل المؤسسات الدستورية والبرلمان.
- آليات لتدبير الاختلافات قبل أن تتحول إلى أزمات حكومية مفتوحة.
هذه العناصر، وفق تصور الباحث، من شأنها أن تمنح الائتلاف الحكومي قدرا أكبر من الانسجام، وتحد من الظواهر التي طبعت بعض التجارب السابقة، مثل التصريحات المتناقضة لشركاء الحكومة أو التهديد بالانسحاب كلما برز خلاف ظرفي.
دستور 2011 وتحولات موقع رئيس الحكومة
خصصت الأطروحة حيزا مهما لتحليل التحولات التي أدخلها دستور 2011 على بنية السلطة التنفيذية، ولا سيما ما يتعلق بتعزيز مكانة رئيس الحكومة وتوسيع اختصاصاته، فضلا عن التنصيص في الفصل 47 على تعيينه من الحزب الذي تصدر نتائج انتخابات مجلس النواب. هذا التحول الدستوري ربط بشكل مباشر بين النتائج الانتخابية وتشكيل الحكومة، لكنه في المقابل رفع سقف التوقعات بشأن قدرة الأغلبية على الوفاء بالتزاماتها أمام الرأي العام.
ويرى الباحث أن التعددية السياسية التي يفرزها النظام الانتخابي تستدعي بالضرورة تطوير آليات التفاوض والتنسيق بين الأحزاب، بحيث لا يقتصر الأمر على توزيع الحقائب الوزارية، بل يمتد إلى الاتفاق المسبق على التوجهات الكبرى للسياسات العمومية. ولمزيد من التعمق في مفهوم التحالفات الحزبية، يمكن الاطلاع على تعريف التحالف السياسي في الأدبيات السياسية المقارنة.
قراءة في انتخابات 2026 وميزان القوى الجديد
لم يقتصر البحث على الجانب النظري، بل خصص مساحة لتحليل نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، وما أفرزته من إعادة ترتيب لموازين القوى الحزبية. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، ليقود بعد ذلك مشاورات أسفرت عن تحالف ضم أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، مع مساندة نقدية من الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، في مقابل تموقع تشكيلات أخرى في صف المعارضة.
وتوقف الباحث عند معطيات دالة حول المشاركة الانتخابية، إذ بلغت النسبة الإجمالية للتصويت 38,02 في المائة، مع فوارق واضحة بين الوسطين القروي والحضري، حيث اقتربت المشاركة في القرى والبوادي من 45 في المائة، مقابل نحو 37 في المائة في المدن. هذه الفوارق، بحسب الأطروحة، تستحق دراسة معمقة لفهم طبيعة الامتداد الانتخابي للأحزاب وعلاقتها بالنسيج الاجتماعي المحلي.
مقارنة دولية: بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة
اعتمدت الدراسة مقاربة مقارنة غنية، شملت تجارب دستورية متنوعة، بهدف استخلاص دروس عملية يمكن الاستفادة منها في الحالة المغربية. وفي ما يلي أبرز الخلاصات المقارنة:
- بريطانيا: تشكيل الحكومة غالبا من الحزب الحاصل على الأغلبية البرلمانية، ما يمنح الاستقرار النسبي للنظام.
- فرنسا وإسبانيا: تبرز تحديات التعددية الحزبية وصعوبة الوصول أحيانا إلى تحالفات مستقرة.
- الولايات المتحدة: خصوصية النظام الرئاسي الذي لا يرتبط فيه بقاء الرئيس بأغلبية برلمانية مساندة، ما قد ينتج عنه جمود تشريعي.
هذه المقارنات تبرز أن استقرار العمل الحكومي ليس نتاجا حتميا لنظام انتخابي معين، بل هو محصلة تفاعل معقد بين النظام الانتخابي، وثقافة التحالف، وجودة القواعد المؤطرة للعلاقة بين الشركاء.
توصيات الأطروحة: من الميثاق إلى التكوين والشفافية
قدم الباحث سلسلة من التوصيات العملية التي يمكن أن تشكل خارطة طريق للإصلاح المؤسساتي، ومن أبرزها:
- مراجعة المنظومة الانتخابية والقوانين التنظيمية للأحزاب للحد من التشتت الحزبي.
- تحفيز الأحزاب على بناء تحالفات انتخابية مسبقة قائمة على برامج معلنة.
- تحديد سقف زمني لتشكيل الأغلبية الحكومية، تفاديا لطول المفاوضات.
- إحداث آليات مؤسساتية للتنسيق والتحكيم بين مكونات الائتلاف.
- تقنين ميثاق للأغلبية يضبط الالتزامات المشتركة ويكرس التواصل المنتظم مع المجتمع.
- تعزيز الرقابة البرلمانية والتقييم المؤسساتي لأداء الحكومة.
- اعتماد التكوين المستمر للنخب الحزبية والبرلمانية لتحسين جودة التشريع.
- توسيع المشاركة السياسية للشباب وتشجيع انخراطهم في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وفي خلاصة تحليله، يدعو الباحث إلى التفكير في إصلاحات دستورية تدريجية تستفيد من التجارب المقارنة، مع إيلاء أهمية خاصة لتوازن السلط واستمرارية العمل المؤسساتي، وتطوير التنسيق بين المؤسسات الدستورية والفاعلين السياسيين. وبذلك، يتحول ميثاق الأغلبية الحكومية من فكرة نظرية إلى أداة عملية قد تساهم في تحصين الاستقرار الحكومي في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك