عاجل

صرخة الناقد: هل يهدد تأثير الدراما الاجتماعية السلبية على الأسرة المغربية نسيج هويتنا؟

صرخة الناقد: هل يهدد تأثير الدراما الاجتماعية السلبية على الأسرة المغربية نسيج هويتنا؟

في ظل التنافس الدرامي المحتدم خلال المواسم التلفزيونية، خاصة شهر رمضان المبارك، يبرز صوت نقدي قوي ليضع الأصبع على جرح عميق يؤرق المشهد الفني المغربي. الناقد الفني مصطفى الطالب، في تصريح جريء، يشير إلى ما يسميه “إفلاس الدراما الاجتماعية”، محذراً من تبعات تأثير الدراما الاجتماعية السلبية على الأسرة المغربية وعلى النسيج المجتمعي ككل. هذه الأعمال، التي يفترض بها أن تعكس واقع المجتمع، باتت تُكرس صوراً نمطية ومُسيئة للعلاقات الأسرية، مما يستدعي وقفة جادة لإعادة تقييم المسار الفني والبحث عن بدائل تعزز الهوية وترتقي بالذوق العام.

أزمة المحتوى: تأثير الدراما الاجتماعية السلبية على الأسرة المغربية

تُعد الدراما الاجتماعية مرآة تعكس حياة الناس وقضاياهم، غير أن ما يعرض حالياً، حسب الطالب، لا يتجاوز كونه استغلالاً سطحياً ومسيئاً للأسرة. فبدلاً من تقديم معالجات عميقة وراقية للصراعات العائلية، تتجه معظم الأعمال إلى إعادة إنتاج نفس الصور النمطية للتفكك الأسري والصدامات الحادة، محوّلةً العلاقات الأسرية إلى ساحة دائمة للتوتر والقطيعة. هذا التكرار لا يعكس بتاتاً حقيقة المجتمع المغربي بتعقيداته وتوازناته الفريدة، بل يختزله في مشاهد مبسطة ومُشحونة، تفتقر إلى ما يُسمى بـ“اللباقة الفنية والعمق النفسي”.

لقد أصبحت هذه المقاربة السطحية قالباً جاهزاً يُعاد استنساخه عاماً بعد عام، مما يساهم في تشويه صورة الأسرة المغربية وتقديمها كبؤرة للمشاكل فقط، بدلاً من إبراز قيم التضامن، المحبة، والتحديات الواقعية التي تواجهها الأسر بمنظور إيجابي وبناء. هذا التأثير السلبي لا يقتصر على الترفيه، بل يتجاوزه إلى المساهمة في تشكيل وعي جماعي خاطئ حول مفهوم الأسرة ودورها المحوري في بناء المجتمع.

التقدم التقني والفراغ الإبداعي: هل يكفي الشكل دون المضمون؟

رغم الانتقادات اللاذعة للمحتوى، يقر الناقد مصطفى الطالب بوجود تطور ملحوظ على المستوى التقني في الإنتاجات المغربية. لقد شهدنا تحسناً في جودة الصورة، والإخراج، والاشتغال البصري عموماً، وهو ما يُرجع إلى سعي المنتجين لمجاراة المنافسة الشرسة التي تفرضها الأعمال التركية والعربية الأخرى خلال الموسم الرمضاني. ولكن السؤال الأهم هنا: هل هذا التقدم الشكلي كافٍ؟

يجيب الطالب بأن هذا التحسن ظل في غالبه “شكلياً”، ولم يرافقه قفزة نوعية حقيقية في جودة الكتابة، أو في بناء الشخصيات المعقدة، أو في تطوير الحبكات الدرامية الأصيلة. فما الفائدة من صورة عالية الدقة وإخراج مبهر إذا كان النص ركيكاً، والشخصيات مكررة، والقصة لا تحمل جديداً أو قيمة فنية تذكر؟ هذه الفجوة بين التقنية والإبداع هي أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم استجابة صناع الأعمال للانتقادات المتكررة من الجمهور والنقاد، مما يكرس دورة من الأخطاء تتجدد مع كل موسم إنتاجي.

الدراما التاريخية والتراثية: ملاذ لهوية أصيلة

في خضم هذا المشهد المتأزم، يشدد مصطفى الطالب على أن الإنتاج الدرامي التاريخي والتراثي لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة حتمية لإعادة التوازن إلى المشهد الدرامي المغربي. ويُفند الطالب حجة ارتفاع تكلفة هذه الأعمال، مؤكداً أن المغرب يمتلك كل المقومات اللازمة لإنجازها بكفاءة وجودة عالية، منها:

  • البنية التحتية المتطورة: من استوديوهات ومواقع تصوير تاريخية وطبيعية متنوعة.
  • الكفاءات البشرية المدربة: مخرجون، كتاب سيناريو، ممثلون، وتقنيون.
  • الثراء التاريخي والتراثي: مخزون هائل من القصص والشخصيات والأحداث التي تستحق أن تروى.

إن الجمهور المغربي متعطش لأعمال تستحضر محطات مجيدة من التاريخ الوطني، وتُعرف بالأمجاد والرموز التي شكلت هويته. هذه الدراما التاريخية لا ترفع الذائقة الفنية فحسب، بل تعزز الوعي الثقافي والانتماء الوطني، وهو ما يتفوق بكثير على الاكتفاء بدراما اجتماعية متشابهة ومتكررة تفقد بريقها وتأثيرها مع كل عرض.

التكوين الأكاديمي وتعزيز الهوية المغربية

لم يغفل الناقد مصطفى الطالب التطرق إلى جانب حيوي آخر، وهو التكوين الأكاديمي في المجال السمعي البصري. فقد انتقد الطالب التركيز المبالغ فيه على الجانب التقني، مع إهمال البعد الثقافي والتاريخي في مناهج التعليم. “التقنية يجب أن تكون في خدمة الفكرة”، يقول الطالب، مشدداً على أن المخرجين وكتاب السيناريو يحتاجون إلى رصيد معرفي وثقافي عميق يحصن أعمالهم من السقوط في السطحية وتمرير المغالطات.

إن بناء جيل جديد من المبدعين المتسلحين بالثقافة والتاريخ، إلى جانب المهارات التقنية، هو الضمان لإنتاج أعمال فنية ذات قيمة حقيقية، قادرة على المساهمة في صون الذاكرة الجماعية والارتقاء بالذوق العام.

دعوة إلى قرار سياسي وثقافي واضح

يختتم مصطفى الطالب مداخلته بدعوة صريحة ومباشرة إلى اتخاذ قرار سياسي وثقافي واضح، يوجه بوصلة الإنتاج الدرامي نحو تعزيز الهوية المغربية الأصيلة. هذا القرار يجب أن يتضمن إرساء آليات أكثر صرامة لانتقاء النصوص، بعيداً عن منطق السوق وإملاءات الإشهار التي غالباً ما تضغط باتجاه التسطيح والابتذال.

إن النقاش الذي فتحه مصطفى الطالب عبر برنامج “نقاش هسبريس” ليس مجرد انتقاد عابر، بل هو دعوة عميقة للتفكير في وظيفة الدراما ودورها المحوري في المجتمع. إنها مسؤولية جماعية تقع على عاتق المنتجين، الكتاب، المخرجين، والمؤسسات الثقافية، وحتى الجمهور، للعمل معاً نحو مستقبل فني يفتخر به المغرب، ويُقدم محتوى يليق بتاريخه وحضارته. ويسرنا في الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، أن نكون جزءاً من هذا النقاش البناء الذي يهدف إلى الارتقاء بالساحة الفنية المغربية.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.