شهدت الساحة التعليمية المغربية تطوراً مهماً طال انتظاره، مع بدء اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة البرامج والمناهج دراستها المكثفة حول ملف مراجعة ساعات التدريس في المغرب. هذه الخطوة تأتي بعد فترة طويلة من ترقب الأطر التربوية، وتحديداً منذ إقرار النظام الأساسي الجديد، حيث اعتبر العديد منهم أن الحجم الساعي الحالي للتدريس، خصوصاً في التعليم الابتدائي، يمثل عبئاً كبيراً يؤثر على جودته وفعاليته.
إن هذا المسعى ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو استجابة مباشرة لمطالب نقابية ومهنية متواصلة، تؤكد على ضرورة إعادة النظر في توزيع الزمن المدرسي بما يتناسب مع المعايير الدولية ويخدم مصلحة الأستاذ والمتعلم على حد سواء. وقد تم تخصيص الموارد اللازمة للجنة، بما في ذلك مقر دائم في العاصمة الرباط وميزانية مخصصة، مما يؤكد جدية التوجه نحو إصلاح هذا الجانب الحيوي.
أسباب ومبررات ضرورة مراجعة ساعات التدريس في المغرب
لطالما كان ملف ساعات التدريس محط نقاش مستمر، وله مبررات قوية تستدعي المراجعة. من أبرز هذه المبررات:
- العبء الزمني على الأساتذة: يشتكي أساتذة التعليم الابتدائي بشكل خاص من الحجم الساعي المرتفع الذي قد يصل إلى 30 ساعة أسبوعياً، وهو ما يعتبرونه مرهقاً ويقلل من قدرتهم على التحضير الجيد للدروس والقيام بالأنشطة الموازية.
- مقارنة بالمعايير الدولية: تظهر العديد من الدراسات أن ساعات التدريس في المغرب أعلى مقارنة بالعديد من الدول التي تتبع أنظمة تعليمية متقدمة، مما يدعو إلى مراجعة تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية.
- جودة التعليم: يعتقد الكثيرون أن تقليص ساعات التدريس يمكن أن يتيح للأساتذة مساحة أكبر للتطوير المهني، والتركيز على الابتكار البيداغوجي، وتحسين جودة التفاعل مع التلاميذ، مما ينعكس إيجاباً على مخرجات التعلم.
- الرضا المهني: يؤدي تخفيف العبء الزمني إلى زيادة الرضا المهني لدى الأساتذة، وهو عامل أساسي في تحفيزهم ورفع معنوياتهم، وبالتالي تحسين أدائهم.
دور اللجنة الدائمة وتطلعات الشغيلة التعليمية
تُعدّ اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة البرامج والمناهج هيئة استشارية وطنية تعمل تحت إشراف السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية. ويتمثل دورها المحوري في تقييم وتحديث البرامج والمناهج الدراسية لمواكبة المستجدات والتطورات. وبما أن ساعات التدريس هي جزء لا يتجزأ من هذه البرامج، فإن اللجنة قد أوكلت إليها مهمة دراسة هذا الشق بصفة خاصة.
أكدت مصادر مطلعة لـ الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب أن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة قد وفرت كافة التسهيلات، بما في ذلك المقر والميزانية، لتفعيل عمل اللجنة. وقد تم بالفعل تعيين الخبراء داخل هذه اللجنة، ودخل المرسوم بتحديد تأليفها، الذي يتضمن التعويضات المخصصة لرئيسها وخبرائها، حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 2 فبراير الجاري. هذا يضفي طابع الجدية والرسمية على عمل اللجنة ويؤكد على أهمية النتائج المتوقعة.
الآثار المتوقعة على المنظومة التعليمية المغربية
إن أية تغييرات تطرأ على ساعات التدريس سيكون لها تأثيرات متعددة الأبعاد على كامل المنظومة التعليمية المغربية. من المتوقع أن تشمل هذه التأثيرات:
- تحسين ظروف عمل الأساتذة: بتخفيف الحجم الساعي، يمكن للأستاذ أن يجد وقتاً أكبر للراحة، والتكوين المستمر، وتطوير أساليب تدريس مبتكرة.
- زيادة الفعالية البيداغوجية: قد يؤدي تقليص الساعات إلى دروس أكثر تركيزاً وعمقاً، بدلاً من التسرع في استكمال المقررات ضمن وقت ضيق.
- مراجعة المناهج والبرامج: ستكون مراجعة ساعات التدريس فرصة لإعادة تقييم المحتوى الدراسي، وتخفيف الثقل الكمي، والتركيز على الكيف بما يتماشى مع الكفايات المستهدفة.
- الأثر على التلميذ: يمكن أن يساهم التغيير في ساعات التدريس في نظام تعليمي أقل إرهاقاً للتلاميذ، ويسمح لهم بوقت أكبر للأنشطة اللامنهجية والتفكير النقدي.
سياق أوسع: ملفات عالقة وحوارات قطاعية
تأتي هذه المراجعة في سياق حوار قطاعي أوسع يشمل العديد من الملفات العالقة التي تهم الشغيلة التعليمية. فقد أشار مصدر نقابي إلى استعداد المكونات النقابية لجلسة حوار جديدة، حيث من المرتقب عرض جواب وزارة الاقتصاد والمالية حول مراسلة وجهتها وزارة التربية الوطنية بشأن أجرأة اتفاقي دجنبر 2023، خاصة البنود المتعلقة بالأثر المالي. وتشمل هذه الملفات العالقة قضايا مهمة مثل التعويض التكميلي لأساتذة الابتدائي والإعدادي، التعويض الخاص بالمساعدين التربويين والمتصرفين، التعويض عن المناطق النائية والصعبة، وملف أساتذة “الزنزانة 9″، مما يدل على أن مراجعة ساعات التدريس في المغرب ليست سوى جزء من إصلاح شامل تسعى إليه الوزارة.
إن تطلعات الجسم النقابي والشغيلة التعليمية كبيرة تجاه نتائج الأبحاث التي ستقوم بها اللجنة. ويبقى الأمل معلقاً على أن تُفضي هذه الدراسة إلى قرارات حكيمة ومنصفة تخدم مصلحة التعليم في المغرب، وترفع من جودة الخدمات التعليمية، وتحسن من ظروف عمل كل الأطر التربوية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك