تشهد مخيمات تندوف الواقعة تحت الإدارة الجزائرية تدهوراً إنسانياً متسارعاً بالتزامن مع الانخفاض الحاد في التمويلات الدولية الموجهة إليها. فقد أوردت صحيفة إلباييس الإسبانية أن المساعدات المقدمة عبر الوكالات الأممية تراجعت بنسبة تقدر بنحو 47.7 في المئة، مما أثار مجدداً المخاوف بشأن الظروف المعيشية للسكان، وأعاد طرح الأسئلة حول شفافية آليات توزيع المعونات.
وعلى مدى عقود، ظلت هذه المخيمات تعتمد بشكل شبه كلي على المساعدات الخارجية، في غياب تعداد رسمي دقيق للسكان. وقد أشارت تقارير دولية سابقة، منها تقارير المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال (OLAF)، إلى وجود اشتباه في تحويل جزء من المساعدات إلى قنوات غير رسمية، وهو ما لا يزال يشكل محور جدل مستمر.
ويأتي تقليص التمويل في سياق عالمي أوسع يشهد تراجعاً في الالتزامات الإنسانية بسبب أزمات متتالية، أبرزها جائحة كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا، والصراع في غزة، وإعادة توجيه الأولويات الميزانية لدى المانحين الرئيسيين. وقد خفضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جزءاً من تعهداتهما، مما أثر مباشرة على البرامج الإنسانية في المنطقة.
أما على الأرض، فتبدو التداعيات واضحة: إذ تأثر التوزيع الغذائي بشدة، وانخفضت قدرة الخدمات الصحية على العمل بكفاءة، وتقلصت العديد من البرامج الاجتماعية. وفي هذا السياق، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من تعرض عشرات الآلاف من الأطفال لخطر التسرب الدراسي. كما خفضت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عمليات أساسية، بينها صيانة البنية التحتية للمياه.
ويعيش سكان المخيمات في ظل تضخم اقتصادي، وانخفاض في المداخيل، واعتماد شبه مطلق على المعونات الإنسانية، مما يحد من قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية. وتُظهر المعطيات أن غياب تعداد سكاني رسمي يعيق تقييم الاحتياجات الحقيقية ويعمق حالة عدم اليقين بشأن توزيع الموارد بشكل عادل.
من الناحية السياسية، لا يزال الملف مجمداً منذ عقود. وترى الرباط أن السبب الرئيسي وراء هذا الجمود هو موقف جبهة البوليساريو ودعم الجزائر لها، اللذين يُتّهمان بإطالة أمد الوضع الراهن الذي يُبقي سكان المخيمات في حالة تبعية للمساعدات الدولية. في المقابل، قدم المغرب منذ سنوات مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والتي تعتبرها الأمم المتحدة أساساً جاداً وذا مصداقية لتسوية سياسية.
وقد دعت عدد من المنظمات الدولية، منها مركز تأطير وتنمية قدماء المقاومين (سيداك) ومنظمة العمل من أجل اللاجئين، إلى التحقيق في هذه الأوضاع، وضرورة تحمل السلطات الجزائرية مسؤولياتها القانونية والإنسانية لضمان وصول المساعدات الغذائية إلى جميع المستفيدين بشكل عادل. وطالبت هذه الجهات بإنشاء آلية رقابية مستقلة تكفل عدم تحويل التبرعات إلى أغراض سياسية أو ربحية، وتضمن إيصالها مباشرة إلى المحتاجين.
وفي ظل استمرار العجز عن التوصل إلى حل سياسي، تتجه الأنظار إلى الخطوات المقبلة التي قد تتخذها الأطراف المعنية. ويُنتظر أن تستمر المناقشات الدولية حول سبل تحسين شفافية توزيع المساعدات، وإمكانية إجراء تعداد سكاني مستقل في المخيمات، فضلاً عن متابعة تنفيذ مبادرة الحكم الذاتي كأساس لتسوية نزاع الصحراء.
التعليقات (0)
اترك تعليقك