في خضم الأحداث المؤلمة التي شهدتها سواحل مدينة الفنيدق مؤخراً، وما تلاها من محاولات عبور جماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، يبرز سؤال جوهري حول مدى نجاعة السياسات العمومية في معالجة جذور الظاهرة. أحداث سبتة وسياسات الحكومة المغربية أصبحت محور نقاش واسع، حيث يرى القيادي اليساري مصطفى بنعلي، الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، أن ما وقع ليس مجرد صدفة، بل هو انعكاس لتراكم إخفاقات حكومية في مجالات التشغيل والتعليم والصحة.
أحداث سبتة: جرس إنذار لسياسات مهمشة للشباب
في لقاء خاص مع الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، أكد بنعلي أن الصور القاسية التي تناقلتها وسائل الإعلام لشباب يخاطرون بحياتهم في البحر ليست سوى غيض من فيض. وأوضح أن هؤلاء الشباب، الذين ينتمي معظمهم إلى فئة “لا يدرسون ولا يعملون ولا يتلقون تكويناً” (NEET)، يحملون حلماً مكسوراً، وأن تأجيل هذا الحلم أمنياً لن يمحوه، بل سيبقى كامناً ينتظر الفرصة للانفجار.
وأشار بنعلي إلى أن عودة أعداد كبيرة من المهاجرين من سبتة ومليلية تعكس اصطدامهم بواقع مرير، حيث لم تعد المدينتان كما كانتا في السابق، حتى في فترة ازدهار التهريب المعيشي. هذا الإدراك المتأخر، برأيه، يجب أن يدفع إلى قراءة سياسية عميقة للأحداث، لا مجرد قراءة إنسانية عابرة.
السياسات العمومية: بين الريع وتهميش القطاعات الحيوية
لم يتردد بنعلي في انتقاد التوجه الحكومي الحالي، معتبراً أن “تعميم الخسارة مقابل خوصصة الربح” وتكريس اقتصاد الريع، الذي يراكم الثروة في أيدي فئة قليلة، هي عوامل أدت إلى شعور واسع بعدم الأمن والاستقرار. وأضاف أن التعامل مع قطاعات مثل الصحة والتعليم باعتبارها مجرد قطاعات اجتماعية، بدلاً من كونها استراتيجية، يعد خطأ فادحاً.
وفي هذا السياق، استحضر بنعلي خطاب العرش الأخير الذي تحدث عن “مغرب بسرعتين”، محذراً من تحذيرات المؤسسات المالية الدولية بشأن اتساع الفوارق الاجتماعية. وأكد أن تجاوز مرحلة الإسلاميين كان إيجابياً، لكن ذلك لا يبرر تقديم مصالح الشركات الكبرى وكبار الفلاحين على حساب الفئات الواسعة.
إشكالات التنزيل: الدولة الاجتماعية بين الطموح والواقع
حول ورش الدولة الاجتماعية، فرق بنعلي بين الزمن الاستراتيجي للدولة والزمن الحكومي العابر، مشيراً إلى أن الإشكال ليس في الاختيارات الاستراتيجية، بل في طريقة تنزيلها. وقال إن “عدداً من الأوراش الكبرى، وفي مقدمتها ورش الدولة الاجتماعية، يعرف خللاً واضحاً في التنزيل”، مما يدفع المواطنين للتساؤل عن جدية بناء هذه الدولة، خاصة في ظل غلاء المعيشة وارتفاع البطالة.
وأضاف أن بلوغ البطالة مستويات قياسية خلال هذه الولاية يمثل جرس إنذار، خصوصاً في بلد يعرف استثمارات عمومية ضخمة. كما انتقد ارتفاع أسعار المواد الأساسية، مثل البطاطس والبصل والطماطم، رغم مرور عقود على المشاريع الفلاحية الكبرى، داعياً إلى مراجعة عميقة للسياسات المعتمدة.
اليسار المغربي: من أحلام التوحيد إلى ضرورة التحالفات
وفي رده على سؤال حول تشرذم اليسار المغربي، اعتبر بنعلي أن الحديث عن توحيد اليسار أصبح “ضرباً من العبث”، وأن إعادة إنتاج الصراع التقليدي بين الليبرالية والاشتراكية لم يعد واقعياً في ظل التحولات العالمية. وأكد أن الرهان الحقيقي اليوم هو جعل الإنسان في صلب جميع السياسات العمومية.
وشدد على أن المقاربة اليسارية تنطلق من الدفاع عن الفئات مهضومة الحقوق، وأن المعارك الاجتماعية هي التي يجب أن تحدد طبيعة التحالفات، حتى مع القوى القادمة من مرجعيات أخرى، ما دامت تؤمن ببناء الدولة الاجتماعية. وخلص إلى أن الفعاليات السياسية مطالبة بإعادة قراءة أدوارها وترتيب أولوياتها بما يخدم الدولة والمجتمع.
لمزيد من المعلومات حول مفهوم الدولة الاجتماعية، يمكنكم الاطلاع على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك