طباعة الدعاية الانتخابية: محرك اقتصادي موسمي للمطابع المغربية
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، تعيش المطابع الوطنية حالة من الحراك الاقتصادي غير المسبوق، مدفوعة بالطلب المتزايد على طباعة الدعاية الانتخابية بمختلف أشكالها. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحملات الانتخابية للأحزاب المشاركة في انتخابات 23 شتنبر الجاري قد أسهمت في انتعاش نسبي لهذا القطاع، غير أن هذا الرواج يظل محكوماً بمنطق السعر على حساب الجودة، وفق ما أكدته مصادر مهنية مطلعة.
وفي هذا السياق، أوضحت مصادر عاملة في القطاع أن الإقبال على المطابع ليس موحداً ولا يشمل جميع الفاعلين، بل يتركز بشكل لافت على الورشات التي تقدم أسعاراً تنافسية منخفضة، حتى وإن كانت جودة منتجاتها أقل من المعايير المطلوبة. هذا التوجه يعكس أولويات الأحزاب السياسية التي تسعى إلى تقليص نفقات حملاتها الانتخابية إلى الحد الأدنى، خاصة في ظل الارتفاع العام في تكاليف التنظيم.
تفاصيل الإقبال على المطابع: بين الكم والكيف
أفادت مسؤولة في إحدى المطابع، رفضت الكشف عن هويتها، بأن النشاط الحالي يوصف بـ«النسبي» وليس «الاستثنائي»، مشيرة إلى أن المطابع التي تقدم خدمات عالية الجودة بأسعار مرتفعة تعاني من عزوف واضح من قبل الفاعلين الحزبيين. وأضافت أن هؤلاء يفضلون التعامل مع المطابع ذات الأسعار المخفضة، ولو كان ذلك على حساب متانة المواد المستخدمة ووضوح الطباعة.
من جهته، أكد مسؤول تقني وتجاري في مطبعة أخرى أن الطلب يتركز بشكل أساسي على طباعة الملصقات الانتخابية، والأقمشة، والقبعات، وهي مواد دعائية تُستخدم بكثافة في المهرجانات واللقاءات الجماهيرية. وأشار إلى أن الزبائن من الأحزاب يضعون الميزانية في مقدمة أولوياتهم، مما يدفعهم إلى اختيار العروض الأقل تكلفة، حتى لو تطلب الأمر التنازل عن معايير الجودة.
الأحزاب بين ضغط الميزانية وجودة الطباعة
تعكس هذه الديناميكية إشكالية أعمق تتعلق بتدبير الموارد المالية للحملات الانتخابية. ففي ظل محدودية الدعم العمومي وارتفاع تكاليف التنقل والتنظيم، تجد الأحزاب نفسها مضطرة إلى ترشيد النفقات، وغالباً ما يكون قطاع الطباعة أول الضحايا. ونتيجة لذلك، تزدهر المطابع التي تعتمد على أسعار منخفضة، بينما تعاني المطابع ذات الجودة العالية من ضعف الطلب.
ويرى متتبعون أن هذه الظاهرة قد تؤثر سلباً على جودة الرسائل الانتخابية وقدرتها على إيصال برامج المرشحين بشكل احترافي. فالمطبوعات الرديئة قد تشوش على الناخبين وتضعف مصداقية الحملة، لكن يبدو أن الحسابات المالية تغلب الاعتبارات الجمالية في كثير من الأحيان.
الإطار القانوني المنظم للحملة الانتخابية
تخضع الحملة الانتخابية في المغرب لمقتضيات القانون الانتخابي التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 53.25 الصادر في يناير 2026. وينص هذا القانون على غرامة مالية تصل إلى 300 ألف درهم في حق معدي الإعلانات الانتخابية عند مخالفة أحكام المادة 35.
وتحدد المادة 35 حقوق وكلاء لوائح الترشيح والمترشحين في تعليق الإعلانات الانتخابية، مع إلزام أصحاب هذه الإعلانات والمؤسسات والأشخاص الذين يقومون بإعدادها أو تعليقها أو توزيعها بالتقيد بالقواعد القانونية المنظمة لها. كما تمنع المادة تعليق الإعلانات في الأماكن والتجهيزات المحددة قانوناً.
بالإضافة إلى ذلك، يعاقب القانون على الإعلانات الانتخابية للوائح غير المسجلة أو للمترشحين غير المسجلين بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، وبغرامة تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف درهم. وتندرج هذه المقتضيات ضمن الباب الخاص بالحملة الانتخابية والمخالفات والعقوبات، مما يضفي طابعاً قانونياً صارماً على كل ما يتعلق بالدعاية الانتخابية.
تحديات تواجه قطاع المطابع في الموسم الانتخابي
رغم الانتعاش الموسمي، يواجه قطاع المطابع تحديات هيكلية تتجاوز مجرد الطلب الظرفي. فمن جهة، هناك ضغط على الأسعار بسبب المنافسة غير المتكافئة بين المطابع، ومن جهة أخرى، هناك صعوبة في تحديد حجم الإنتاج اليومي نظراً لتباين طبيعة الإنتاج من مقاولة إلى أخرى. كما أن الاعتماد على المواد المستوردة في بعض الأحيان يزيد من التكاليف ويحد من هامش الربح.
ويشير مهنيون إلى أن الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة وتدريب العمالة قد يكون الحل لتحسين الجودة مع الحفاظ على أسعار تنافسية، لكن ذلك يتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى ودعماً حكومياً للقطاع.
آراء المواطنين: بين السخرية والانتقاد
لم يمر هذا الموضوع دون تفاعل من الرأي العام. فقد علق أحد المتابعين ساخراً على الأولويات المقلوبة، معتبراً أن الدخول المدرسي يعاني من خصاص في الكتب والدفاتر بينما تتسابق الأحزاب على طبع منشوراتها الدعائية. وذهب آخر إلى أبعد من ذلك، متسائلاً: لو تم استغلال الأوراق المخصصة للدعاية في نسخ الكتب المدرسية، لتمكنت جميع الأسر المغربية من الحصول عليها مجاناً لمدة خمس سنوات. هذه التعليقات تعكس حالة من الاستياء تجاه إنفاق الأحزاب على الدعاية في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية مثل التعليم من نقص الموارد.
وفي خضم هذه النقاشات، يبقى السؤال مطروحاً حول جدوى هذه النفقات ومدى تأثيرها الفعلي على سلوك الناخبين. فهل ستنجح الأحزاب في تحقيق أهدافها الانتخابية عبر هذه المطبوعات؟ أم أن الأموال كان يمكن توجيهها إلى مجالات أكثر إلحاحاً؟
للمزيد من التحليلات والأخبار السياسية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك