التعاون المغربي الأوروبي في الهجرة: قراءة في تقرير أمريكي حول أحداث سبتة
في خضم الجدل الدائر حول الهجرة غير النظامية، أصدرت اللجنة الأمريكية للاجئين والمهاجرين (USCRI) تقريرًا تحليليًا يسلط الضوء على الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، والتي حاول خلالها آلاف المهاجرين اقتحام الحدود. ويقدم التقرير قراءة مختلفة عن الروايات السائدة التي وصفت الحدث بـ”الغزو”، معتبرًا أن هذه الروايات تفتقر إلى الموضوعية وتخدم أجندات سياسية ضيقة. ويركز التقرير على أن فهم هذه الأحداث يتطلب النظر إلى السياق الأوسع للهجرة في المنطقة، ودور التعاون المغربي الأوروبي في الهجرة، الذي أصبح محورًا أساسيًا في سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه إفريقيا.
ويشير التقرير إلى أن موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة بين 30 و31 يوليوز، والتي قدر عدد المشاركين فيها بنحو 72 ألف شخص، لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة لتفاعل عدة عوامل. من بين هذه العوامل، برنامج تسوية أوضاع المهاجرين الذي أطلقته إسبانيا في أبريل 2026، والذي أغلق قبل شهر من الأحداث، مما ينفي وجود علاقة مباشرة بينه وبين الموجة. كما يلفت التقرير إلى حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 29 يونيو، يقضي بضرورة خضوع المهاجرين القادمين عن طريق البحر للإجراءات العادية للهجرة، وهو ما أساء مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي تفسيره، معتبرين أن الدخول عن طريق البحر يعني عدم قابلية الترحيل.
ويوضح التقرير أن حملات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة على منصات مثل تيك توك وفيسبوك وإنستغرام، لعبت دورًا كبيرًا في تشجيع الشباب على محاولة العبور، حيث تم تبادل معلومات حول مواقع بيع معدات السباحة وخرائط غوغل التي تشير إلى مناطق ضعيفة المراقبة. ويضيف التقرير أن هذه الحملات بدت بمثابة “ضوء في نهاية النفق” للشباب المغاربة الذين يعانون من البطالة، خاصة في الفئة العمرية بين 15 و24 عامًا، حيث تبلغ نسبة البطالة بينهم 29.2 في المائة. كما يستحضر التقرير احتجاجات جيل “زد” التي شهدتها أكثر من اثنتي عشرة مدينة مغربية خلال عام 2025، احتجاجًا على انعدام الفرص وعدم المساواة.
ويشير التقرير إلى أن الأحداث أسفرت عن مآسٍ إنسانية كبيرة، حيث لقي العديد من المهاجرين حتفهم غرقًا أو في تدافع أثناء محاولتهم عبور الحاجز الحدودي. وتتراوح حصيلة الوفيات، حسب مصادر التقرير، بين 100 و141 حالة، مع استمرار فقدان العشرات. وقد استخدمت السلطات المغربية خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لمنع المهاجرين من الوصول إلى سبتة، وهو ما يعكس التحديات الأمنية الكبيرة التي تواجهها المملكة في ضبط حدودها.
وفي سياق متصل، يؤكد التقرير أن معظم المهاجرين الذين تمكنوا من الدخول إلى سبتة أعيدوا إلى المغرب في إطار التعاون الإسباني المغربي، بينما بقي نحو ألف قاصر غير مصحوب بذويهم. وبموجب إصلاح قانون الهجرة الإسباني لعام 2025، يتعين إعادة توزيع هؤلاء القاصرين من المناطق التي تعاني ضغطًا مفرطًا خلال 15 يومًا من استكمال ملفاتهم، وقد خصصت الحكومة الإسبانية 25 مليون يورو لدعمهم وربما نقلهم إلى إسبانيا القارية. كما أشار التقرير إلى تصريح مفوض الاتحاد الأوروبي المكلف بالهجرة، ماغنوس برونر، في 31 يوليوز، الذي أكد فيه أنه “لم يعبر أي شخص” إلى إسبانيا القارية، في محاولة لطمأنة الدول الأوروبية الأخرى.
ويلفت التقرير الانتباه إلى الجانب الإنساني للأحداث، حيث تجمعت عائلات في مدينة الفنيدق شمال المغرب، بحثًا عن أخبار أقاربها المفقودين. ويورد التقرير قصة عامل زراعي كان يبحث عن شقيقه البالغ 17 عامًا، بعدما عاد اثنان من أصدقائه بينما ظل شقيقه مفقودًا. كما يشير إلى أن آباء وأمهات كانوا يعرضون صور أبنائهم عند السياج الحدودي، في مشهد يعكس الألم العميق الذي تعيشه الأسر المغربية. ويؤكد التقرير أن الأشخاص الذين يظهرون في أرقام وإحصاءات الهجرة هم في الواقع أبناء وبنات وإخوة وأخوات، وأن عائلاتهم تواصل حمل هذا الألم حتى بعد هدوء الحدود.
ويشير التقرير إلى أن المغرب لطالما تعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال مراقبة الهجرة، مستشهدًا ببرنامج أوروبي أطلق عام 2023 في إطار أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي – أوروبا العالمية، خصص 152 مليون يورو لتعزيز أنظمة إدارة الحدود في المغرب. ويعتبر التقرير أن أوروبا تنظر إلى المغرب باعتباره بوابة للوصول إليها، وأن هذا التعاون يندرج ضمن توجه أوسع نحو نقل جزء من مراقبة الحدود الأوروبية إلى دول خارج الاتحاد. ويضيف التقرير أنه في الوقت الذي يستطيع فيه مواطنو الاتحاد الأوروبي السفر إلى المغرب دون تأشيرة، يفقد مغاربة ومهاجرون من دول أخرى في الجنوب العالمي أرواحهم أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، حيث سجلت 2185 حالة وفاة أو فقدان في البحر الأبيض المتوسط خلال عام 2025.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن بعض وسائل الإعلام والقادة الأوروبيين استغلوا الأحداث لتعزيز روايات تتحدث عن “الغزو والإجرام”، وأن بعض الدول مثل إيطاليا وفرنسا عززت إجراءات مراقبة حدودها أمام القادمين من إسبانيا. وقد أدان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز “رد الفعل الأناني والاستقطابي وغير القانوني” من جانب هذه الدول. ويدعو التقرير ضمنيًا إلى النظر إلى أحداث سبتة في سياقها الإنساني والسياسي الأوسع، وعدم اختزال المهاجرين في الصور والأرقام والسرديات التي تحيط بعمليات العبور.
وتجدر الإشارة إلى أن التعاون المغربي الأوروبي في الهجرة يظل ملفًا حساسًا ومعقدًا، يتطلب مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإنسانية والتنموية والأمنية. فالمغرب، بموقعه الجغرافي الاستراتيجي، يلعب دورًا محوريًا في إدارة تدفقات الهجرة نحو أوروبا، لكنه في المقابل يحتاج إلى دعم أكبر من الاتحاد الأوروبي لمواجهة التحديات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية وتشغيل الشباب. كما أن معالجة جذور الهجرة غير النظامية تتطلب تعاونًا دوليًا حقيقيًا لخلق فرص عمل في بلدان المصدر والعبور، وتعزيز المسارات القانونية للهجرة، ومكافحة الاتجار بالبشر.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن التقرير الأمريكي يقدم قراءة موضوعية للأحداث، بعيدًا عن التهويل والاستقطاب، ويدعو إلى مقاربة إنسانية وعقلانية لظاهرة الهجرة. فالهجرة ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل هي قصص إنسانية مؤلمة، وتحديات سياسية واقتصادية تتطلب حلولًا جذرية ومستدامة. ولعل الدرس الأهم من أحداث سبتة هو أن إغلاق الحدود وحدها لا يكفي، بل لا بد من معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في سبيل الوصول إلى أوروبا.
للمزيد من المعلومات حول سياسات الهجرة في المنطقة، يمكنكم الاطلاع على مقال ويكيبيديا حول الهجرة. كما يمكنكم متابعة آخر الأخبار والتحليلات على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك