مقدمة: اللغة العربية في قلب المعركة الانتخابية
في خضم الاستحقاقات الانتخابية المغربية، يبرز ملف موقف الأحزاب المغربية من اللغة العربية في البرامج الانتخابية كقضية محورية تعكس عمق الانقسام السياسي حول الهوية والثقافة. وقد أصدر الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية تقريرًا مفصلًا يرصد تعاطي الأحزاب الكبرى مع لغة الضاد، مصنفًا إياها إلى ثلاث فئات: داعمة بقوة، ومتجاهلة نسبيًا، ومعادية فعليًا. هذا التصنيف لا يكتفي بوصف الواقع، بل يوجه الناخبين نحو خياراتهم في صناديق الاقتراع.
الفئة الأولى: أحزاب تتبنى اللغة العربية كأولوية استراتيجية
يضع الائتلاف الوطني حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية في مقدمة الأحزاب التي أولت اللغة العربية اهتمامًا خاصًا. فحزب الاستقلال، وفقًا لمرجعيته الوطنية، يعتبر العربية ركيزة أساسية للهوية المغربية الجامعة، ويدعو في برنامجه إلى صون مقومات الشخصية المغربية وتعزيز التماسك الاجتماعي بين مكونات الأمة. أما حزب العدالة والتنمية، فيؤكد على اعتماد العربية لغة أساسية في التعليم، مع إرساء تعددية لغوية لا تتجاوز فيها نسبة التناوب اللغوي 30%. كما يقترح تطوير مدرسة رقمية لتعليم العربية والأمازيغية لأبناء الجالية المغربية في الخارج.
هذه المواقف تعكس إدراكًا عميقًا بأن التمكين للغة العربية ليس مجرد قضية تعليمية، بل هو جزء من بناء الإنسان المغربي وحماية هويته من موجات التنميط الثقافي والرقمي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأحزاب تستند إلى مرجعياتها التأسيسية ورؤيتها الحضارية، دون إغفال ضرورة النهوض بالأمازيغية كجزء من الهوية الوطنية.
الفئة الثانية: أحزاب تدرج العربية ضمن التعددية اللغوية دون أولوية
تشمل هذه الفئة أحزاب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتحالف اليسار (فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد)، والحركة الشعبية، وجبهة القوى الديمقراطية. هذه الأحزاب تذكر اللغة العربية في برامجها، لكنها تضعها في إطار التعددية اللغوية دون منحها اهتمامًا خاصًا، خاصة في الشق التعليمي والتربوي. ويرى الائتلاف أن هذا التعاطي يظل قاصرًا عن الاعتراف بالدور الهوياتي الجامع للغة العربية، إذ يقتصر الحديث عنها على كونها مادة تعليمية ضمن منظومة لغوية متعددة.
هذا الموقف يعكس مقاربة براغماتية تركز على الكفايات اللغوية وسوق الشغل، لكنها تتجاهل البعد الرمزي والثقافي للغة العربية باعتبارها وعاءً للهوية الجامعة. ومن ثم، فإن موقف الأحزاب المغربية من اللغة العربية في البرامج الانتخابية يتباين بين من يراها قضية وجودية ومن يراها مجرد أداة تواصل.
الفئة الثالثة: أحزاب تهمش اللغة العربية أو تعاديها
يصنف الائتلاف الوطني كلاً من حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب التقدم والاشتراكية، وحزب التجمع الوطني للأحرار ضمن الأحزاب التي لم تولِ اللغة العربية اهتمامًا، بل مارست عليها “حيفًا” في برامجها الانتخابية. ويصف الائتلاف هذا التوجه بأنه “إقصائي للغة الدستورية الأولى”، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى “الإجهاز” على اللغة العربية في السياسات العمومية إذا وصلت هذه الأحزاب إلى الحكومة.
هذا التصنيف يثير تساؤلات حول مدى التزام هذه الأحزاب بالدستور المغربي الذي ينص على أن العربية هي اللغة الرسمية الأولى. كما يضع الناخبين أمام مسؤولية اختيار من يمثل هويتهم اللغوية بصدق. ولمزيد من التفاصيل حول الدستور المغربي، يمكن الرجوع إلى دستور المغرب 2011.
تفاعل الأحزاب مع مذكرة الائتلاف: بين التجاوب والصدود
أشاد الائتلاف الوطني بتفاعل العديد من الهيئات السياسية مع المذكرة التي بعثها إليها بشأن حماية اللغة العربية وتنمية استعمالها. فقد قامت بعض الأحزاب بتضمين مقترحات الائتلاف في برامجها، أو كانت المذكرة وراء إدراج مقتضيات جديدة لأول مرة. في المقابل، سجل الائتلاف “التعامل السلبي” لبعض الأحزاب الأخرى، مما يعكس توجهًا إقصائيًا وتمييزيًا ضد اللغة الرسمية الأولى.
هذا التفاعل المتباين يبرز أهمية الضغط المدني في تشكيل السياسات اللغوية. وقد أعلن الائتلاف أنه يواكب عرض البرامج الانتخابية لتوجيه أعضائه والمتعاطفين معه إلى عدم التصويت للأحزاب التي لم تولِ لغة الضاد العناية الكافية. ولمتابعة آخر الأخبار حول هذا الموضوع، يمكن زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
تحليل: لماذا تختلف مواقف الأحزاب من اللغة العربية؟
يرتبط موقف الأحزاب المغربية من اللغة العربية في البرامج الانتخابية بعوامل أيديولوجية وتاريخية. فالأحزاب ذات المرجعية الوطنية والإسلامية تميل إلى تبني العربية كهوية جامعة، بينما تتبنى الأحزاب اليسارية والليبرالية خطابًا يركز على التعددية والانفتاح على اللغات الأجنبية. لكن هذا التباين لا ينبغي أن يطغى على الإجماع الدستوري حول مكانة العربية.
ومن هنا، يكتسب رصد الائتلاف أهمية خاصة، لأنه يقدم للمواطن أداة موضوعية لتقييم برامج الأحزاب بعيدًا عن الشعارات. فالناخب الذي يولي اللغة العربية أهمية سيجد في هذا التصنيف مرشدًا لاختياراته.
خاتمة: نحو وعي انتخابي لغوي
في نهاية المطاف، يبقى القرار بيد الناخب المغربي الذي سيتوجه إلى صناديق الاقتراع في 23 شتنبر. لكن الوعي بمواقف الأحزاب من اللغة العربية أصبح ضرورة، ليس فقط للحفاظ على الهوية، بل لضمان تنفيذ الدستور. إن موقف الأحزاب المغربية من اللغة العربية في البرامج الانتخابية ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام الأحزاب بثوابت الأمة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك