مشاريع الري المستدامة في المغرب: استراتيجية وطنية لمواجهة إجهاد مائي متفاقم
في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية وتراجع التساقطات المطرية بشكل غير مسبوق، يجد المغرب نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يضمن الأمن الغذائي ويحمي الفلاحة من جهة، ويحافظ على موارده المائية الشحيحة من جهة أخرى؟ الإجابة عن هذا السؤال الاستراتيجي تكمن في مشاريع الري المستدامة في المغرب، التي أصبحت اليوم ركيزة أساسية في السياسة الفلاحية الوطنية. وفي هذا السياق، تستعد وزارة الفلاحة لإطلاق دراسات تقنية معمقة تهم أربعة أوراش كبرى للري، بهدف اختبار مدى صمودها أمام سيناريوهات مناخية قاتمة.
أربعة أوراش ريادية تحت المجهر المناخي
تتوزع الأوراش الأربعة المستهدفة بالدراسة على مناطق مختلفة من المملكة، وتشمل كلاً من:
- دويران بإقليم شيشاوة: مشروع للري الصغير والمتوسط.
- آيت زياد بمنطقة آيت أورير: مشروع مماثل للري الصغير والمتوسط.
- تيداس بإقليم الخميسات: محيط سقوي واسع.
- دار خروفة بإقليم العرائش: الشطر الثالث من مشروع ري كبير.
هذه المشاريع ليست مجرد منشآت هيدروليكية عادية، بل هي نموذج لتحول جذري في فلسفة تدبير المياه الزراعية. فبدلاً من الاعتماد على السقي التقليدي عبر السواقي والآبار الفردية، تعتمد هذه المشاريع على شبكات ضغط تغذيها السدود، مع أنظمة قياس دقيقة وتوزيع عادل للحصص المائية.
لماذا هذه الدراسات؟ سؤال الندرة يفرض نفسه
الهدف المركزي من هذه الدراسات التكميلية، الممولة في إطار التعاون مع الوكالة الألمانية للتنمية (KfW)، هو التحقق من قدرة هذه المشاريع على الصمود في وجه الندرة المائية. فالسؤال المطروح بإلحاح: هل ستظل السدود قادرة على تزويد هذه المحيطات السقوية بما يكفي من المياه في ظل مناخ أكثر جفافاً؟
للإجابة عن هذا السؤال، سيعمل المكتب الاستشاري المكلف على تحديث قواعد البيانات المناخية والهيدرولوجية، بما يشمل التساقطات المطرية من 2015 إلى اليوم، وتواتر الأمطار القصوى، ثم محاكاة تطور الموارد المائية وفق سيناريوهين مناخيين مختلفين. كما سيتم التحقق من تصميم منشآت السقي والتوصيل، وهو ما يعني أن البنية التحتية المائية ستخضع لاختبار قاسٍ قبل تنفيذها.
مكونات الدراسة: من التشخيص إلى الفعالية الاجتماعية
لا تقتصر هذه الدراسات على الجوانب التقنية البحتة، بل تمتد لتشمل سبع مكونات متكاملة:
- اختبار مرونة المفاهيم التصميمية أمام التغير المناخي.
- رسم خرائط للفاعلين المعنيين.
- دراسة الأثر البيئي والاجتماعي مع خطة تدبير، وخطة إعادة التوطين إن لزم الأمر.
- دراسة النوع الاجتماعي عبر مقابلات ومجموعات نقاش مع المستفيدين.
- مكونة الابتكار.
- تدابير مواكبة تشمل التكوين والصيانة.
- دراسة الجدوى الاقتصادية والمالية لكل مشروع (صافي القيمة الحالية، معدل العائد الداخلي، تحليل التكلفة-المنفعة).
هذا التكامل يعكس مقاربة شمولية تضع الإنسان في قلب المشروع، وليس فقط الحجر والمعدات. فالفريق المنتظر يتكون من ثمانية خبراء، بينهم رئيس فريق يعمل طوال مدة الأشغال التي تمتد سبعة أشهر.
التحول الزراعي: من الحبوب إلى الخضر والأعلاف
الوعد الفلاحي لهذه المشاريع واضح وجذاب. ففي محيط تيداس، من المتوقع أن تنخفض حصة الحبوب من 81% إلى 44% من المساحة المزروعة، لصالح الخضر والأعلاف، مع رفع معدل كثافة الزراعة من 80% إلى 100%. أما في دار خروفة، فمن المرتقب أن ترتفع كثافة الزراعة من 85.6% إلى 137%، استناداً إلى نظام الزراعة لعام 2011.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في المحاصيل، بل هو ثورة في النموذج الفلاحي الذي يربط بين الإنتاجية والاستدامة. فالمزارعون الصغار سيحصلون على مياه أكثر انتظاماً، مما يسمح لهم بالتخطيط لموسمين أو ثلاثة في السنة بدلاً من موسم واحد هش.
التحديات الكبرى: عندما تصطدم الطموحات بالواقع المائي
لكن الطريق ليس مفروشاً بالورود. فوزارة الفلاحة تعترف بأن أجزاء من البلاد تعاني من نقص في حجم السدود المخصصة للري. وفي آيت زياد، على سبيل المثال، لن تتحقق الحصة الزراعية البالغة 80 مليون متر مكعب سنوياً بانتظام إلا بعد تزويد مراكش بالمياه المحلاة من البحر. هذا يعني أن الأمن المائي يظل الشرط الأول لنجاح أي مشروع فلاحي.
كما أن الاستراتيجية الوطنية للماء في طور المراجعة، وقد تؤدي استنتاجاتها إلى تخفيف نطاق الخدمات المطلوبة. هذا الغموض الاستراتيجي يضيف طبقة من التعقيد على أي تخطيط طويل الأمد.
البعد الاجتماعي: تمكين المرأة وتدبير مستدام
من بين الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الدراسات، الاهتمام غير المسبوق بدراسة النوع الاجتماعي. فالمطلوب ليس فقط قياس الوضعية الأساسية للنساء والفتيات في المناطق المستهدفة، بل أيضاً تحديد الآثار السلبية المحتملة للمشروع عليهن. هذا النهج يعكس وعياً متزايداً بأن التنمية الزراعية لا يمكن أن تكون مستدامة إذا لم تكن شاملة.
إضافة إلى ذلك، ستعمل تدابير المواكبة على تحديد نموذج لاسترجاع التكاليف، يشمل رسوم المياه ومساهمات المستخدمين، مع تكوين جمعيات مستخدمي المياه الزراعية والتعاونيات، بما فيها النسائية منها. هذا يعني أن المشروع لا يبني فقط بنية تحتية، بل يبني أيضاً قدرات مؤسسية قادرة على تدبير هذه البنية على المدى الطويل.
نحو نموذج فلاحي جديد: الدروس المستفادة
ما يميز هذه المقاربة هو أنها لا تتعامل مع الري كمسألة تقنية بحتة، بل كقضية تنموية شاملة. فالمشروع لا يقتصر على مد الأنابيب وبناء السدود، بل يمتد ليشمل تحسين الدخل، وتمكين الفئات الهشة، وحماية البيئة، وضمان استدامة الموارد.
في هذا الإطار، يمكن القول إن مشاريع الري المستدامة في المغرب تمثل نموذجاً يحتذى به في المنطقة، حيث تلتقي الخبرة التقنية بالرؤية الاجتماعية، والتمويل الدولي بالاحتياجات المحلية. لكن نجاحها يبقى رهيناً بعاملين أساسيين: توفر المياه، والالتزام الجماعي بتدبير عقلاني لهذا المورد الحيوي.
للمزيد من التفاصيل حول السياسات الفلاحية والمائية في المغرب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، كما يمكن الاطلاع على معلومات إضافية حول الري وأهميته في التنمية الزراعية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك